كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٧

نفسه من سلامة تكون على يد العامل، وبلغ ذلك جماعة النكار، اجتمعوا فيما بينهم واختاروا من أنفسهم أربعة رجال، يثقون بهم في الجلد والشجاعة والبأس والنجدة، فأرسلوهم إليه آخر النهار. فلما وصلوا إلى باب المدينة وقف واحد منهم على الباب وتقدم ثلاثة إلى الحبس، فلما أتوه بدؤوا بالسجان الذي يحرس الحبس، فقتلوه وكسروا السجن وأخرجوا جميع من فيه وأخرجوا صاحبهم مقيدا واحتمله أحدهم على ظهره، وكان اسم حامله يوجين فيما بلغنا، وبين يديه رجل بالسيف مصلتا، وآخر خلفه فكل من قام إليهم من الناس قتلوه، فخرجوا بصاحبهم حتى أتوا على صخرة بين الحامة وتوزر، وكسروا ما عليه من القيد، فسميت صخرة أبي يزيد. فمضى نحو بني يدرجتن في الصحراء، برملة سماطة، رجاء منهم أن يمنعوه وقد كانوا في قوة عظيمة ينتهون إلى ثمانية عشر ألف فارس، فيما بلغنا فالتجأ إليهم وطلبهم أن يمنعوه، فلم يجد عندهم ما يريد، فمضى من عندهم مستخفيا إلى جبل أوراس. قال: فلم يزل الطلب عليه والبحث عن شأنه حتى علموا بموضعه، فأنفذ إليه القاسم بن عبيد الله جيشا عظيما فحاصره بجبل أوراس سبع سنين، وبلغت فيه نفوسهم التراقي، وفي ذلك قال متكلمهم يذكر ما نزل بهم من البلاء والضرر، وطول الحصار والمطر، قال: جبل لا يصعد ومطر ساكب، وفتى مستقصي وشيخ غير مدفوع، ونحن المبتلون المقتولون. فلما رأى القوم ما نزل عليهم وحل بهم اجتمعوا إليه وقالوا له: قد رأيت ما حل بنا ونزل علينا من أمر هذا الفتى، ولم يبق لنا طاقة للقوم، فهلاك رجل واحد أيسر من هلاك العامة، فقال لهم أبو يزيد: امهلوني في هذه الليلة. فلما أظلم عليهم الليل أمر بخمسمائة ثور وأمر أن يشد على قرن كل ثور منها حزمة من حلفاء، وإلى ذنبه حزمة أخرى، قال: فاختار خمسمائة رجل من أصحابه من ذوي البأس والنجدة، فأخذوا عدتهم وسلاحهم وساق كل واحد منهم ثورا، حتى إذا قربوا من العسكر، أي جيش العبيديين ألقى كل واحد منهم في حزمات ثوره نارا. فلما بلغت حرارة النار إلى الثيران، ركضت أمامها فخاضت الثيران بالمعسكر والرجال في ساقتها بالسيوف مصلتة يضربون بها كل من أدركوه، فجعل الله ذلك هزيمة للمعسكر فانهزموا، فقتلهم أبو يزيد وأصحابه قتلا ذريعا. فلما كان صباح يومئذ من الهزيمة، عرض في اثني عشر ألف فارس من أهل عسكر القاسم خاصة ورجعوا إليه، فصار الطلب على باقي عسكر /117/

١١٥ / ٢١٠