كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١١٨

القاسم، فتسامعت به القبائل وطار اسمه في الآفاق، فاجتمعوا إليه من كل أوب، والتأمت إليه عساكر كثيرة، حتى عدوا في عسكره ألفا من الخيل البلق والله أعلم، ومعه من مزاتة آلاف كثيرة، فأخذ في فتح المدائن والقرى والمنازل، ففتح الساحل كله، وأقبل يريد قسطالية التي منها خرج ففتحها بأسرها. قال: فلما أحس من نفسه القوة ورأى كثرة من اجتمع له من الناس، تكلم إليه بعض عزابتهم ماذا تنتظر للأخذ بثأر يزيد بن فندين، يا شيخ؟. فقال أبو يزيد: دعنا حتى نفرغ من نسج كسائنا، فإذا ما فرغنا منها وقعدنا في مصحات اشتغلنا في تنقية كساءاتنا. فقام إليه بعض من كان معه من مزاتة، وهو مسارة بن غني، فقال له: فلا تظن أن الوهبية قد خرجت معك، إنما كانت في مساجدهم، وإنما خرجنا معك نحن لنتواكل هذه الميتة، فدع عنك هذا، وإلا قتلنا كلاب الحي يريد بالميتة الغنائم والأموال التي يأخذونها. ثم إن عدو الله سار يريد القاسم بالقيروان، وكل قرية ومدينة مر بها في طريقه خربها وسبا ذريتها وغنم أموالها، كفعل نافع بن الأزرق وغيره من الخوارج، بل قد زاد عليهم وأربى. كان معه رجل من علماء النكار، يسمى زكرياء ينكر ذلك عليه، ويقول: إن هذا لهو الخروج من الدين. فلما رأى أبو يزيد إنكاره عليه، خشي أن يفسد عليه العامة من الناس، فأمر بقتله فقتل ليلا، ولا يدري أين كان. فلما سمع القاسم بإقبال أبي يزيد إليه بما لا قبل له به من العساكر، خرج من القيروان إلى المهدية، فترك على القيروان رجلا، وقدم أبو يزيد القيروان وحاصر أهلها، حتى اشتد عليهم الحصار، وقد أنهب من المدينة كثيرا من أطرافها، فخافوا على أنفسهم وألقوا إليه بأيديهم وخرجوا إلا قاضي المدينة، فقد انحاز في دار الإمارة بأموال جسيمة، فأرسل إليه أبو يزيد اخرج، فأبى القاضي إلا بالأمان، وأعطاه أبو يزيد الأمان. فلما خرج إليه القاضي، شاور وزراءه فقال له رجل منهم يسمى أبا عمارة: ألم تعلم ما ذكر في كتاب كليلة ودمنة؟، فقال له أبو يزيد: وكيف ذلك؟، قال له: ليس شيء أروح للقلب من قتل عدو مخوف، وإن بلغ من الضعف الغاية. قال: فأمر أبو يزيد بقتل القاضي، فقتل بعد الأمان، وأخذ تلك الأموال، وذكروا أنه بلغ عدة ما خرب على يده في إفريقيا ثلاثون ألف قرية لم تعمر إلى يومنا هذا، وفعل في إفريقيا من الفسوق والمعاصي والفجور، ما /118/

١١٦ / ٢١٠