كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣١فلما سمعوا بذلك التفتوا فيما بينهم، فقالوا: تكلموا على المجلس، فتكلموا فافترقوا. فقام بعض أصحاب أبي الخطاب إليه فأخبروه بما فعل، فقال له: كأنه عجل على القوم، فقال لهم أبو الخطاب: كلا، إنه فصل لكم دينكم على حدة. وبلغنا أنه أبا الخطاب وسيم عاتبته نفوسة في أربعة أشياء، قالوا له: إنك التزمت الأمور ليقظان وتغرم اليتامى والأرامل بالظلمة، وتستفتي نكاريا، وتقدم في الصلاة خلفيا. فلما بلغه كتابهم وعتابهم، استعبر وبكى وقال: الحمد لله الذي جعل لي إخوانا يعاتبونني على ما بلغهم عني قبل يوم القيامة. ثم إنه كتب إليهم: أما ما ذكرتموه من التزامي من الأمور ليقظان، فلم ألتزمها ليقظان، وإنما ألتزمتها احتسابا لله، وأما ما ذكرتموه من أموال اليتامى والأرامل، فإن الظلمة إذا قبلت إليهم أمرتهم أن يداروا عن أنفسهم، وأما الاستفتاء في النكار فلم أحكم إلا بما عندي، وأما تقديمي في الصلاة الخلفي فإني إذا صليت الفريضة ناديت يا فتح، فيتقدم فيصلي بالناس، ولم أمره بالتقدم والسلام. وبلغنا أن رجلا من أهل القيروان كان عنده في العلم أن من بنى مسجدا في موضع معروف، يقال له: تبازريوت، بقرب بحر جربة أنه مسلم عند الله. قال: فخرج الرجل من القيروان متجهزا لبنيانه، فلما وصل إلى ذلك الموضع، وجد أبا الخطاب قد سبقه وبنى مسجده به. وهو اليوم معروف، وحدث علي بن يحي قال: أتى رجل إلى أبي الخطاب وهو لم يكن يعرفه، فقال له: لي عليك دينار، فأعطينيه، فقال له أبو الخطاب: لا أعرفك، فمن أين لك علي دينار؟، فألح عليه الرجل في الطلب، فتأمله أبو الخطاب مليا، فقال: إن خصومتي معك لعار، فانتزع دينارا فأعطاه إياه. وبلغنا أن أبا الخطاب أتاه رجل من أغنياء بني يهراسن، وكان له أخ فقير صعلوك يقال له تينون، فسأل الشيخ أبا الخطاب إن كان يجوز أن يدفع إليه من زكاة ماله. فقال له أبو الخطاب: ائتني به فأتاه به، فاستتابه الشيخ، فقال له: تبت يا شيخ، فقال لأخيه: ادفع إليه صدقة مالك. ثم قال الشيخ لتينون: ألبسناك لباس التقوى، فإن تعريت منها فلا /131/