كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٣ض، ليخبر أبا أيوب مرادهم. فلما وصل أبو مسور إلى أبي أيوب أخبره بمراد الشيوخ، فقال له أبو أيوب: وجد مكتوبا على حجر في طرف البحر ثلاث كلمات: الأولى لا يركب البحر إلا ذو خطر أو جاهل مغرور، والثانية مالي، مالي، ما دام في كمي! فإذا خرج من كمي صرت مدعيا، والثالثة من يعطي ماله على القراض يعتريه منه البرسام. فرجع أبو مسور إلى المشائخ فأخبرهم بما قال أبو أيوب وكان أبو مسور إذ ذاك شابا حدث السن. فلما جاء الشيخ استفهموه واستخبروه ثانية، فقالوا له: كيف قلت لأبي مسور؟، فقال لهم أبو أيوب: الأمر ما قال لكم أبو مسور، فإنه أخذ تشقيق الكلام من بني سلاوة، وهم أخوال أبي مسور، ثم إن أبا أيوب أطلق بغال المشائخ في الأندر تأكل كما أرادت، فقال بعضهم: عجبا للشيخ أبي أيوب كيف يصنع بزكاة ماله، فلما كان وقت إخراج الزكاة، أخذ في الكيل، فصار يكتال ويخرج العاشرة والتاسعة والثامنة والسابعة والسادسة، ثم يرجع فيخرج العاشرة والتاسعة والثامنة والسابعة والسادسة، وكذلك حتى يفرغ زرعه، فتعجبوا منه. ثم إنهم امتار لهم من عشوره، وكان في تلك الجماعة رجل يسمى أبا يعقوب الدمري، ومعه ابن له فقال لهم اجعلوا للصبي حظه. فقالوا له: إن كان متوليا لك نجعل له سهمه، فقال لهم: دعوني أبيت معه الليلة، فلما أصبح قال لهم: أعطوه، فإني قد توليته الليلة، فأعطوا له سهما. وبلغنا أنه خرج ذات مرة في عدة من أصحابه، يريدون زيارة نفوسة الجبل، فبينما هم يسيرون إذ نظروا إلى رفقة أقبلت إليهم، فظنوا أنها عكسر العدو، فنزلوا عن بغالهم وهربوا إلى الجبل، فباتوا فيه. فلما جنهم الليل، قال لهم أبو أيوب: حين أيقن أنه يبقى بلا عشاء، أن عندي ألف قفيز من طعام بالقروي والجربي، وعندي ما يلوثه من الزيت أو ما يؤكل بها، وأنا أبيت بلا عشاء، وخير ما يدخر المرء التقوى. ثم إن أهل الرفقة جازوا على بغال الشيوخ، فعقلوها وأخذوها ومضوا بها. /133/