كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٩فقال له أبو القاسم رضي الله عنه: ليس بيننا وبينه إلا يسير، فنقوم عليه ونخرجه من تلك المدينة إن شاء الله، يعني مدينة القيروان. فلما افترقا قام اليهودي مبادرا، فبلغ قوله لأبي تميم وبلغ المشائخ ما قاله أبو القاسم لليهودي، فأتوه وعاتبوه على ذلك ولاموه، وقالوا له: لو كنت على ذلك، فمثلك لا يفشى سره، ولا يهتك ستره، أحسن الله عزاءنا فيك!. وكان أبو القاسم رضي الله عنه وجماعة المشائخ يخرجون أوان الربيع إلى طعائن مزاته، وكانت لهم بها قوة عظيمة، وعدتهم اثنا عشر ألف فارس، وأما الرجال فلا يعدون. وكثر الطعن في أبي القاسم رضي الله عنه عندي أبي تميم ويذكر عنه أنه يريد الخروج عنه والقيام عليه. ثم إن أبا تميم بعث إلى عامله بالحامة، يأمره بقتل أبي القاسم رضي الله عنه ويبعث إليه برأسه، فتلكأ عنه العامل، ولم يرد قتله، لمكانته عنده وعظم شأنه لديه وكان له صاحبا عظيما، فأشار العامل لأبي القاسم رضي الله عنه بالمسير إلى الحج. فقال له أبو القاسم: قد حججت بعد، فقال له العامل: أنتم الوهبية تحتسبون إعادة الحج وتأثرونه لكثرة فضله.
فقال له أبو القاسم: ليس لله علي أن أحج مرتين.
فاستبطأ أبو تميم عامله، فأرسل إليه كتابا ثانيا يأمره فيه بقتل أبي القاسم. قال: فأشار العامل إلى أبي القاسم بالخروج إلى ورجلان، فقال له أبو القاسم: لست أخرج من الدنيا وأنا حي يريد بالدنيا قسطالية، قال: فاستبطأ أبو تميم إنفاذ أمره من عامله، فكتب إليه كتابا ثالثا يأمره فيه بقتل أبي القاسم، ويقول له: إما رأس أبي القاسم، وإما رأسك!، فلما رأى العامل عزمه على ذلك وجده عليه، أيقن أنه إن لم ينفذ أمره، فهو هالك. ثم إن العامل أرسل إلى أبي القاسم فلما وصلت رسل العامل إليه، ركب دابته وتوجه نحوه، فلما دخل عليه قعد عنده، فدفع إليه الكتاب الأول الذي وجهه إليه أبو تميم والكتاب الثاني والثالث. فلما قرأ أبو القاسم الكتاب، قال له العامل: هذا الذي أقوله لك، ولست أؤثر عليك إلا نفسي. فلما سمع ذلك منه أبو القاسم، علم أن لابد من الموت، فقال له: امهلني أركع ركعتين، قال: فتركه حتى ركع وفرغ منها، نظر إلى البيت فإذا هو مملوء بالرجال، عليهم السلاح فبادروا إليه ووثبوا عليه رحمه /139/