كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٨من المسلمين إلى دينه، فأخذ يعلمه التوحيد، وهو يتبعه حرفا بعد حرف، فما منزلته إلى أن يتم التوحيد؟، أهو على حالته الأولى من الشرك أم مسلم، قال: فقلت له إن قلت مسلم فإذا يسلم الناس ببعض التوحيد دون بعض، وإن قلت أنه مشرك، فبماذا أشرك بالذي سمع من التوحيد، أم بالذي لم يسمع منه؟. فوقف، فقال: لا أعلم. قال: فقلت له: لا تستحي ولا تحشم، ولكنك بلغت مبلغا لم تقف إلا في موضع وقف فيه عالمك وفقيهك عبد الله بن يزيد ولو وقفت دون ذلك، أمكنك. وبلغنا أن الشيخ كلمه بعض تلامذته، فقالوا له: أرأيت إن قال يحي، إنما أشرك بالذي لم يسمع؟، قال لهم: فإن قال أنه إنما أشرك بالذي لم يسمع فهو الرجوع إلى قولنا: حجة الله تقوم بسماع وبغير سماع، وهذا قد قامت عليه الحجة بغير سماع. وإن قال: إنما أشرك بالذي سمع، قال: فيقال له: إسرار التوحيد خير من إظهاره، ويلزمه أيضا أن يكون ترك التوحيد إيمانا ويكون فعله كفرا. وبلغنا أن رجلا من أهل الدعوة ناظر رجلا من النكار بمدينة توزر فجرى بينهما كلام، فقال أحدهما لصاحبه: يا حمار، وقال الآخر: يا ثور، فخرجا من المدينة مغضبين، فشكى النكاري إلى النكار ما أصابه من الوهبي، واشتكى الوهبي إلى الوهبية ما أصابه وما دهاه، وأبو نوح بتوزر. ثم إن الوهبية والنكار اجتمعوا بفحص توزر، فكان بينهم قتال شديد وأسرع القتال في النكار واستحر فيهم الموت، فانهزموا وتبعهم الوهبية ليقتلوهم إلى تيقيوس، ولحق رجل من الوهبية يحي الأعرج في الهزيمة، وكان يحي ذميم الصورة، أشبه شيء باليهود. فلما غشي الوهبي يحي قال له يحي: لا تقتلني فإني يهودي. فقال له الرجل الوهبي: فكيف أقتلك موحدا وأتركك يهوديا! فقتله. وبلغنا أنه أبا جعفر أحمد بن خيران رضي الله عنه أدرك رجلا من النكار صريعا في الهزيمة فأمسك عنه ولم يقتله، فقيل له بعد ذلك: لم لم تقتله يا أبا جعفر؟. قال: خفت أن تقول الوهبية، هذا هو الذي قتل الرجل، وكان صاحب مجهود وله روايات نفيسة كثيرة. ثم إن الوهبية ائتمرت في اتباع النكار وحصارهم في تيقيوس فأبى عليهم الشيخ أبو نوح رضي الله عنه، وقال لهم: إن رسول الله ص قال: ﴿ما أديل على قوم مرتين في يوم واحد قط﴾. فأبت العامة إلا اتباع النكار وحصارهم لما أراد الله. /158/