كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٩فلما وصلوا تيقيوس حاصروا من بها من النكار، ورجعت النكار بعضها إلى بعض، فخرجوا إليهم وقاتلوهم قتال رجل واحد، وانهزمت الوهبية إلى مدينة توزر، وكان أبو نوح من ساقة العسكر يذود ويحمي عن الوهبية حتى غشيه النكار، فلما اضطروه حملوا عليه، فحال بينهم وبين عزيز ابن عيسى، فحمل عليهم وفرقهم وسلم الله الشيخ أبا نوح، فكان يكر فيهم مرة بعد أخرى، حتى ايسوا من الشيخ أبي نوح، وكان يقول بعد ذلك عزيز أنا خير من أخي صابر فقد وقعت على الشيخ أبي نوح ودفعت عنه النكار وفر أخي، وكان مثل ليقة صوف طار بها الريح، فر عند الهزيمة وترك أبا نوح، ولولا أنا لقتلته النكار. وبلغنا أن أبا اسماعيل إبراهيم بن بلال المعروف بالبصير، كان يومئذ ممن يبطيء الناس على القتال، ويقول: أيها الناس احذروا القتال!. ثم إن أبا نوح رضي الله عنه وصل بعد ذلك إلى قنطرارة فتمارض فيها واضطجع، فدخل عليه أبو يعقوب يوسف ابن نفاث رضي الله عنه، وسأله عن أحواله، فقال له أبو نوح رضي الله عنه: أحسبت أني مريض؟، بل إنما اضطجعت هنا بهم بعض أهل الدعوة وكان ظني أن عبيد أهل الدعوة وإمائهم يقاتلون النكار ولو بالخزف، فضلا عن غيرهم، فكيف يقاتلوننا ويصيرون لنا أندادا. وبلغنا أن طائفة من مزاتة قدمت على أبي نوح رضي الله عنه، يستشيرونه في أمر المسجد الذي أرادوا أن يبنوه. فقال لهم أبو نوح: إذا قوم أرادوا أن يبنوا مسجدا، فليتفق خيار أهل البلد على موضع معلوم يصلح لبنيان المسجد، فإذا اتفق أهل الخير والصلاح منهم، عرضوا ذلك على العامة من أهل البلد، فإن اتفقوا، فليشاوروا جيرانهم، فإن أنعموا لهم بذلك، أرسلوا إلى من ينظر إليه من أهل الدعوة، فيستشيرونه فإن اتفقوا فليبنوه بعد ذلك إن شاؤوا. وحدث من أثق به أن الشيخ أبا نوح، أخذه بعض أمراء توزر فحبسه، وذلك أن أبا نوح عظمت منزلته وعلت رتبته فكبر في أعين الوهبية وعلا ذكره فيهم واشتهر أمره، فحبسه بعض أمراء توزر طمعا فيما يعطى عنه ورجاء لما ينال على يديه، وسلاطينها إذ ذاك صنهاجة. قال: فمكث الشيخ أبو نوح ما شاء الله في الحبس، حتى قدمت فرقة من أريغ إلى قسطالية للمير(1) فيها في بني تكسنيت وفيهم رجل واحد من أهل الدعوة يقال له يوسف بن توجينت. فلما وصلوا إلى نفطة، سمع الشيخ بمجيء الرفقة إلى قسطالية، فسأل عمن بها من أهل الدعوة، فقيل له: رجل واحد يقال له: يوسف بن توجينت. /159/
(1) في الأصل: للأمير وهو تحريف.