كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٧والقيام بثأره كر أبو زكرياء راجعا إلى جربة لينزع تبعاته ويودع أهله ويستأذن أباه أبو مسور ض. فلما وصلها ونزع تبعاته وودع من أراد توديعه واستأذن أباه، فأذن له وطلبه من قبله إعفاءه من جميع حقوقه، فقال له: أحللتك من جميع حقوقي عليك، إلا ما فعلت حين رددت الدنانير من نفزاوة ولم تكن حبستها لحوائجك. قال: فخرج أبو زكرياء من جربة يريد أبا خزر رضي الله عنه، فلما كان ببعض الطريق سمع بخبر الشيخ أبي خزر رضي الله عنه وأصحابه وما كان أصابهم من الهزيمة فرجع. وبلغنا أن عامل المسودة جعل على بني يهراسن من الخراج شيئا، فقال له أبو زكرياء: أقل من ذلك، فجعله عليهم العامل، وبعد ذلك فكر الشيخ فيما فعل، فأنفق مثل ذلك على الفقراء. وبلغنا عن العامل أيضا أنه أخذ رجلا من الحضر في جزيرة جربة، فشفع فيه أبو زكرياء رضي الله عنه فشفعه وتركه. ثم إن الحضري بعث إلى الشيخ قميصا مستعملا، فأبى الشيخ أخذه، فقال له الحضري: يا شيخ أعطني ما اشتريت به ولا أترك لك إلا قيمة الخياطة، فإني خيطته بيدي، فأبى أخذه. وبلغنا عن أبي زكرياء أنه قال: إذا قحطت الأرض تنال الجنة بقبضة من طعام، وإذا قحط الإسلام، تنال الجنة بكلمة حق تقال، وقحط الإسلام أشد من قحط الطعام، وقد اجتمعا كلاهما في زماننا هذا. وبلغنا عن أبي زكرياء أنه قال: ما علمنا كيف نتكلم ولا كيف نسكت، مع ما بلغه من العلم والحلم والصبر في أمور الدين، وقد قالوا لو أن أحدا يوضع من حكمه منطقه دواوين، لكان هو أبو زكرياء ض. وحدث أبو زكرياء يحي ابن أبي زكرياء رضي الله عنه، قال: اجتمع أبو زكرياء مع شيخ من شيوخ النكار من ملأ من زواغة وفيه الوهبية والنكار، فجرى بينهم كلام إلى أن قال له النكار: يا أبا زكرياء، نحن وأنتم كلنا نكار، فإنا قد أنكرنا على علي بن أبي طالب ما فعل من التحكيم، وقد أراد النكاري أن يلبس على الضعفاء بذلك متى وقع في مسامع العامة، فإن سكت أبو زكرياء ولم ينقم عليه، لزم الفريقين اسم النكار، ففطن به الشيخ وعلم أنه من بعض مكائدهم. فقال له أبو زكرياء أما أنا فلست بنكار، فأفحمه وخيب الله كيد النكار، فتعجب الناس من فراسة الشيخ أبي محمد وبديهته، حتى قال قائل من زواغة: فلان يحتال على أبي زكرياء وأبو زكرياء قائم على نفسه. وبلغنا أن أبا محمد كموس مرض في آخر عمره، فطاف به الشيطان /167/