كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

وأخطر له بالبال: كيف ربه ومن أي شيء خلق، حتى كاد الشيخ أبو محمد يهلك. فقال لأبي القاسم يونس بن أبي زكرياء رضي الله عنه ائتني بأبيك يا يونس وعجل علي، فإن الشيطان كاد يهلكني على ضعفي وكبري، وأولع بي في آخر عمري. قال: فأسرع أبو القاسم السير إلى أبيه، فأخبره بخبر أبي محمد، فأقبل إليه أبو زكرياء مسرعا، تارة يمشي وتارة يسعى ويتوكأ أحيانا على ابنه حتى قدم عليه، فقال له أبو محمد: هلم إلي حبيبي، فإن الشيطان مولع بي ويخيل إلي أن أكيف ربي ويخطر لي بالبال ما أخاف أن يهلكني، فقال له أبو زكرياء رضي الله عنه: اعلم أن كل ما يخطر ببالك، أو يتمثل في وهمك أو يخطر بقلبك ويتلقاه ذهنك هو من خلق الله، ولا يخطر بالبال إلا ما أدركته الحواس، أو ما يشبه بما أدركته الحواس، فالله يتعالى عن شبه الأشياء، وقد قيل في بعض الآثار إن نفي هذه الخواطر عن الله تعالى محض التوحيد. فقال له أبو محمد: فرجت علي أجرك الله يا أبا زكرياء، وبلغنا أن أبا محمد استخرج لأبي زكرياء شيئا من لحم الغنم مطبوخا بالبارحة من يومه ذلك في آخر النهار، فقال أبو محمد لأبي زكرياء كل وألح عليه، وكان أبو زكرياء صائما ولم يرد أن يفطر في آخر النهار، فقال له أبو زكرياء: يا شيخ إني صائم ولست آكل، وقد مضى جل النهار، فألح عليه أبو محمد فأخذ منه أبو زكرياء فأكل لموافقة نفس الشيخ فأدخل عليه السرور. وكان أبو زكرياء رضي الله عنه يشكو من مرض يهيجه عليه أكل لحكم العنز واللحم المطبوخ الذي بات، فلما أكله تطييبا لنفس الشيخ، أبرأه الله من ذلك المرض ولم يره بعد ذلك. وبلغنا عنه أنه رأى في منامه أن واقفا وقف عليه، وقال له: إن موافقتك لمراد الشيخ أبي محمد، وطيب نفسه، وإدخال السرور عليه، أفضل من عبادة سنة. وبعد ذلك كان أبو زكرياء يأكل لحم العنز ولا يضره، وكذلك اللحم المطبوخ الذي بات، وقد استراح من علته. وسئل أبو محمد في آخر عمره عن أحواله، فتلا هذه الآية: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا تعقلون﴾. وبلغنا أن امرأة سائلة وقفت إلى أبي زكرياء رضي الله عنه تسأله شيئا من الزيت تدهن به رأسها، وقد أخذ بها الشعث، فأخذ طنجرة ليجعل لها فيها الزيت ففك عن الخابية، فرآها تنظر إلى ما أعطاه الله من السعة /168/

١٦٦ / ٢١٠