كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

وكثرة ما عنده، فصار يصب في الكنجرة وعيناه تهملان دموعا، وهو يقول: بالله ليس بيننا وبينك نسب تعطينا دون غيرنا، ولكن برحمتك يا أرحم الراحمين. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه أن أبا زكرياء رضي الله عنه خرج في بعض حوائجه فجاز على منزل موسى بن الإرث(1) في وقت، فوجده لم يكن به، فخرجت إليه امرأة موسى، ولم تكن تعرفه، فقالت: من أنت؟، فقال: أنا ضيف، فقالت له: ما اسمك؟، فقال لها: فيصل، فقالت له: الأضياف على منازل منهم المقربون باللحم ومنهم بالإدام ومنهم من لا يجعل له الإدام. فقال لها أبو زكرياء: اجعليني بالأوسط، صاحب الإدام، ثم إنها أضافته بالزيت. فخرج أبو زكرياء وجاء بعلها موسى بن الإرث فأخبرته خبره، فقال لها زوجها: ويحك ذلك أبو زكرياء. وبلغنا أن أبا زكرياء رضي الله عنه استودع عنده رجل من الحضر وديعة وهو من أهل سفاقس دنانير، فأبى أن يضعها عنده، فألح عليه الحضري ورغب في ذلك، فأنعم له، وطلب أن يعطيها له، فأعطاها له فخرج السفاقسي ومضى لسبيله. فلما حان وقت الزكاة أخرج عليها الزكاة من ماله، وكان ذلك زمنا فطالت غيبة السفاقسي صاحب المال عنه، فأطال الشيخ البحث عن أخباره، فسمع بالمجاعة من بلد الحضري، وهو سفاقس، وكان ذلك في حين يتعذر فيه ركوب البحر، فركب أبو زكرياء ومضى بالوديعة متوجها إلى سفاقس فطيب الله البحر. فلما خرج من البحر إلى مدينة سفاقس، سأل عن الرجل فأخبر بداره، فاستأذن عليه فوجده وقد ألم به الجوع، فخرج إلى السوق، فاستسلف من أهل السوق حوالي أربعة دنانير، فاشترى له بها طعاما، فرآه على شفا الهلاك، فصار يطعمه حتى أنقذه من التهلكة. فلما أفاق مما به، وتفتحت عيناه قال له الشيخ أبو زكرياء رضي الله عنه: ما أقدمك يا شيخ؟. قال: قدمت لي وديعتك، ها هي هذه خذها، قال: فطالبه السفاقسي أن يقاسمه فيها فأبى أبو زكرياء رضي الله عنه ورجع إلى جربة، وقال لو سنح بخاطري قبل دفعي الزكاة لدفعتها منها. وكان الشيخ أبو زكرياء رضي الله عنه حين وجه ابنيه زكرياء ويوسف وابن أخته أبا بكر بن يحي وإخوته رضي الله عنه، إلى أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، رد أبو زكرياء ابن أخته سعيد بن /169/

(1) كذا في الأصل: وفي طبقات الدرجيني: موسى بن الإرب.

١٦٧ / ٢١٠