كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٠دعائي أخذ هو أيضا في الدعاء، والعجوز بحذائنا تسمع كلامنا. فلما فرغ، قال لها: زيدي يا امرأة، فتكلمت، فقال: سبحان الله، سبحان الله!. ثم إنه مضى علي وانتشر الخبر في تلك القرية أن جنيا تكلم إلى رجل من الإنس، فتنحيت على الناس، فدخلت قرية بحذاء تلك القرية، فنمت فيها. فلما انتبهت، أتيت إلى العجوز، فسلمت عليها، وسألتها عن الخبر، فقالت لي: أين تغيبت؟، وقد جاءني الجني صاحبك بعدك، فدخل علي فسألني عنك، فقلت: لا أدري فرمى علي بحصيات، فقال لي: إن جاء بعدي، فادفعها إليه. قال علي: فأخذتها فوجدت عليها خطا رقيقا لا أكاد أتبينه، فمضيت واشتريت من تلك البلاد كساة انطاكية فأخذت على ناحية نفزاوة، ومعي صاحب لي، فأخذنا على طريق بشير حين صدرنا من نفزاوة إلى تيقيوس فلما توسطنا السبخة، إذا بخيل في مقابلتنا، لا نستطيع الهروب ولا نجد ما يسترنا عنهم، فأخذنا إليهم الطريق، فأخذوه إلينا. فلما وصلنا إليهم، حلقوا علينا، وكنت أقرأ الآيات التي علمنيها الجني، وكان على تلك الخيل أمير، فتكلم إلينا، فتطلع وتصعد فينا ببصره من فوق إلى أسفل، حتى غشيني لعاب فرسه، والكساة الانطاكية على كتفي. فسألنا: من أنتم؟، فقلنا له: تلامذة، فقال: امضوا على طريقكم راشدين. قال: فمضينا وكنت توقعت أن يقول لي دع الكساة فخلصنا الله منهم، فكانت تلك الحصباة معنا حتى وصلنا بها إلى بلاد مكة، ولم يوكل لي مقدار قيد قط. وذكر يعقوب بن أبي القاسم أن أبا الحسن، أفلح كان تعلم عند حمو بن اللؤلؤ واستقضته بنور ورتيزلن برأي الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر رضي الله عنه، فمكث فيهم سنين عدة قاضيا عليهم يحكم بينهم بالعدل، ووفعوا فيه عند الشيخ، وكثرة الشكوى في أمره. فلما طال ذلك، بعث إلى جماعة عزابة بني ورتيزلن وغيرهم من أهل تلك الناحية، فاجتمعوا عليه، وحلقوا حلقة وسكتوا طويلا. فقال لهم الشيخ: لم سكتتم وقد اشتكيتم بأبي الحسن، فقال قائلهم: إن أبا الحسن يحكم بين بعضنا ولا يحكم بين بعضه. فقال الشيخ: يا أبا الحسن، أكان ذلك؟، قال له: نعم، ثم قال لهم الشيخ: ثم ماذا؟، قالوا: حكم على رجل بصداق امرأته بغير إقرار ولا شهادة. فقال له الشيخ: أكان ذلك يا أبا الحسن؟، فقال له: نعم. /180/