كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨٧وكان ذلك حالهم من وارجلان حتى خرجوا متوجهين إلى بلادهم، فأخذوا على ناحية. وقد كان الشيخ أبو القاسم سليمان بن موسى رضي الله عنه حين سمع بخبر الشيوخ مقبلين إلى وارجلان، أرسل إلى غنمه بأندرار وكان له بها غنم كثير، وأمر رسوله أن يأتي بأسمن غنمه، فوصل الرسول إلى أندرار، فتباطأ في سيره ولم يأت حتى خرج المشائخ من وارجلان. وبعد وارجلان نزلوا البكرات، فأخذهم المطر بها ولم يتجه لهم السير، فمكثوا حتى جاء رسول الشيخ بالغنم، وقد اختار ما كان فيها سمينا. فلما وصلهم أخذوها وذبحوها وأكلوا، ودخلت عليهم سنة خمسين وأربعمائة من التاريخ في البكرات. مضت جماعة الشيوخ متوجهين إلى بلادهم، فلما جاوزوا حد سماطس، توجه من كان يقيم بقسطالية إليها وما وراءها، وتوجه الطرابلسيون إلى بلادهم، ومضى أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه إلى زنزفة. ثم إن الشيخ انتقل من الجبل إلى تمولست، ثم إن التلامذة طلبوا أن يدون لهم ديوانا من تأليفه، ووضعه فلم ينعم لهم بذلك، فمكثوا دهرا طويلا يراودونه على ذلك، وهو يأبى لهم، فألحوا في الطلب، فما زال حتى أنعم لهم وأجابهم إلى ذلك، على كره. ثم إن إبراهيم بن إبراهيم رأى رؤيا أن جماعة التلامذة أخذوا الشيخ أبا الربيع فنقبوا صدره، فنزعوا منه قصعتين من عسل، فلما انتبه من منامه، هاله ذلك وأقلقه حتى ظن بالشيخ أنه يموت عن عجلة قبل أن يصنع لهما شيئا. ومضى إلى قابس فسأل عن معبر الرؤيا فاطلع عليه فلما رآه سأله عن رجل أخذ قوم ينقبون صدره فاستخرجوا منه قصعتين من عسل. فقال له المعبر: إن كان تاجرا صاحب مال، فإنه يستخرج منه المال كرها، فقال له إبراهيم: ليس بصاحب مال. فقال له المعبر: إن كان عالما فيستخرج منه العلم كرها، قال له: ذاك فرجع إبراهيم إلى الشيخ والتلامذة فأخبرهم خبر الرؤيا وما كان من شأنها، فألحوا على الشيخ في الطلب في تنظيم المسائل، فأخذ كبير تلامذته ألواحا فافترقوا على تأليفه، فإذا قام من مجلسه، وقد نظم لهم فنونا من العلم، يؤلفون كل ما جاز في مجلسه، حسبما سمعوا منه. فلما استفضوا كثيرا من مجالسه وقد ألفوا ألواحا كثيرة، أتوا بها فعرضوها عليه، فطائفة منهم أسقط ألواحها كلها، وطائفة أسقط كثيرا منها، وطائفة أثبتها، ثم عرضوها عليه مرة بعد مرة، ومكثوا زمانا يعرضون عليه الألواح ينقص ويزيد منها، حتى حققها وأمر بتدوينها، /187/