كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩القرن عن الأحداث التي تناولها أبو زكرياء، ولكن ما هي العوائق التي حالت دون تحقيق هذا الكتاب ونشره؟. السبب الأساسي، فيما يبدو لي، هو أن الكتاب يعتبر مفقودا، حيث أننا لا نعرف وجود نسخة منه في مكتبة عمومية أو فردية. وأما المخطوطة المبتورة التي اعتمد عليها مسكاري لترجمة الكتاب، فإنها قد اختفت عقب وفاة هذا الكاتب الذي اختطفته يد المنون إثر نشر ترجمته بوقت قصير، وقد فشلت جهود الباحثين المهتمين بالموضوع في العثور عليها، وكذلك اعتبر النص العربي لكتاب السير ضائعا، مما جعل العلامة جوتييه يقول بصدد الحديث عنه باستغراب: إنه من الأشياء المحيرة للعقل أن لا نعرف كتابا عربيا في التاريخ إلا عن طريق ترجمته. قلنا إن كتاب السير قد احتل المكانة اللائقة به بين المراجع التاريخية منذ ظهور ترجمته، ولكن ما هي نوعية المساهمة التي يقدمها أبو زكرياء بن أبي بكر للبحث التاريخي؟. في المكان الأول يعرفنا الكاتب بعدد من مراكز إشعاع المذهب الإباضي، مثل قنطرارة وقفصة ووارجلان وتيهرت وما كان يجري فيها من نشاط في التعليم والجدال والاجتهاد والافتاء .. إلخ، في الوقت الذي يترجم فيه لعدد من أئمة المذهب ومشائخه ويقدم إلينا عنهم صفحات مؤثرة تبرز، إلى جانب علمهم، فضلهم وتقشفهم وميولهم إلى العدل والتمسك بأهداب الدين الحنيف، وهو في ذلك كله، يتحدث عن شخصيات معاصرة له، أو هي قريبة العهد به ولا تزال مآثرها حية وذكراها عاطرة في نفوس الناس، ونحن نستطيع أن نطمئن إلى روايات أبي زكرياء لأنه واحد من ذلك القوم، ولأنه لم يكن من مؤرخي القصور ولم يلتمس رضا سيد من الأسياد، وإنما هو عالم يدفعه إلى تسجيل سير أشياخه ليكونوا قدوة للأمة، نفس الإيمان الراسخ الذي حمل أسلافه على الوقوف في وجه أمواج القوة المتعاقبة. والصفحات التي خصصها المؤلف لثورة أبي يزيد الخارجي صاحب الحمار مفعمة بالتفاصيل المثرية، وذلك فضلا عن أن الكاتب يفند زعم القائلين بأن الإباضيين متضامنون بطريقة العصبية وينصرون أخاهم ظالما أو مظلوما، حيث أنه لا يتردد في استنكار الفضائع التي ارتكبها هذا الثائر ويصفه بأنه عدو الله. وفي نفس الوقت، فإن وصف المؤلف للعبيديين بأنهم هم أيضا أعداء الله، لم يمنعه من أن يخصص صفحات من كتابه لينقل إلينا صورة فريدة عن معاملة المعز لدين الله لأبي نوح سعيد بن زنغيل ولأبي القاسم بن /19/