كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٩

قال: فأرسل الملك إلى النعمان بن المنذر، أن ابعث إلي بأعلم من في بلادك، قال: فبعث إليه النعمان بن المنذر بعبد المسيح بن عمر بن حيان بن ثغلبة(1) الغساني، وقد أتى عليه من السنين نيف وثلاثمائة سنة، وعمر حتى كانت ردة العرب، بعد مبعث النبي ص، فمر به خالد بن الوليد حين صدر من اليمامة، وهو في بلاد الحيرة وهو حي، وله معه حديث ليس هذا موضعه، وكان على دين النصرانية. فلما قدم على كسرى الملك، قال له: أخبرني فيم بعثت به إليك؟.

فقال عبد المسيح: ليخبرني الملك، فإن يكن عندي شيء قلته، وإلا أتيت رجلا من بني عمي بمشارف الشام، وهي ما والى الحجاز من أرض مؤتة استشهد بها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فيخبرني عن سؤال الملك، من غير أن أسأله فضلا عن أن استخبره.

قال: فأخبره الملك بإيوانه ورؤيا الموبدان وكل ما جرى عليه، فقال عبد المسيح: ليس عندي في هذا شيء مما أراد الملك، ولكن انظرنا حتى نقدم الشام وآتيك بعلم ذلك.

قال: فمضى عبد المسيح متوجها إلى الشام حتى قدمها، وقد أشرف في طريقه على الموت بالعطش، فلما قدم على سطيح وقف بين يديه، فلم يجب سطيح جوابا، ولم يرفع إليه رأسه، فلما استبطأه عبد المسيح، أنشأ يرتجز ويقول:

أصم أم يسمع غطريف اليمن … أم فدفان لم به شأو العنن

يا فاضل الخطة أعيت من ومن … أتاك شيخ الحي من آل سنن

وأمه من آل ديب بن حجن … أبيض فضفاض الرداء والبدن

يجوب في الأرض علندات شزن … ترفعني وجن وتهوى لي وجن

حتى أتاه عاري الجابي والفطن .. إلخ. حتى أتم أرجوزته ورفع إليه سطيح رأسه، فقال جاء عبد المسيح على جمل مشيح أتي إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، فقال: بعثك ملك ساسان لارتكاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبدان، وابلا صعابا تقود خيلا عرابا حتى انتشرت في دجلة وبلادها، فقال عبد المسيح: أي شيء يكون ذلك؟.

فقال سطيح: إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاضت السموات وغاضت بحير كساوت، فليس الشام لسطيح بشام، فقال: ما بال الشرفات؟.

فقال: يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، وذكر الجاحظ في كتابه أن سطيحا قضى مكانه، ثم إن عبد المسيح رجع إلى كسرى، فلما كان ببعض الطريق أنشأ يقول:

شمر فإنك ماضي الهمم تشمير … لا يفزعنك إدلاج وتهجير/29/

(1) كذا في الأصل، والأصح: ابن بقيلة، وقد سمي بهذا الاسم لأنه خرج من ثوبين أخضرين، فقال له إنسان: ما أنت إلا بقيلة!.

٢٧ / ٢١٠