كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤

المعز لدين الله الفاطمي، بعد ذلك بنحو قرنين، وهذا الموقف يمثل انقلابا في علاقات الخوارج بواحد من الحزبين الذين قاوموهما طويلا، وتلك العلاقات السلمية ستستمر حتى أواخر القرن الأول للهجرة. وبعد عبد الله بن اباض، حمل لواء الدعوة في البصرة أبو الأشعث جابر بن زيد الأزدي. وجابر بن زيد الذي ينتمي إلى مدينة نزوى، والذي ولد في سنة 18 للهجرة، يعتبر بشهادة أبي زكرياء نفسه من أكبر علماء المذهب، ومن يدري، فلو وصل إلينا ديوانه المشهور (مجموعة أعماله) والذي يحدثنا عنه أبو زكرياء باستفاضة، لكان من المحتمل أن نستخلص منه علما غزيرا عن عقيدة المذهب ورجاله. ولكان اسم هذا الإمام أكثر شعبية مما هو الآن، ولكن هذا الديون الذي يقع في حجم كبير يعتبر الآن مفقودا، وقصارة القول أن جابر بن زيد الذي يصفه الدرجيني ببحر العلوم العجاج، وسراج التقوى، أصل المذهب، هو الذي أقام دعائم المذهب الاباضي نهائيا على الأسس التي وضعها شيخه عبد الله بن اباض. وانطلاقا من القاعدة السياسية التي أرساها سلفه، فقد سار جابر في السنوات الأولى من زعامته على سياسة ودية اتجاه الأمويين، وارتبط بعلاقات وثيقة مع الحجاج بن يوسف الثقفي (40 - 95هـ)، بحيث عرض عليه عامل بني أمية على العراق القضاء. وقد كانت الواسطة بينهما، هو يزيد بن أبي مسلم الثقفي. صحيح أن هذه الصداقة السياسية يمكن أن تفسر بأنها مهادنة من الحجاج الذي لم يشتهر باللين ولا بالمسالمة، حيث أنه كان في تلك الفترة منهمكا في قتال الطوائف المتطرفة من الخوارج، ولم يكن من حسن السياسة أن يدفع بالاباضيين المعتدلين في أحضان أعدائه، ولكنه يجب ألا ننسى أن الحجاج كان عامل عبد الملك بن مروان الذي رأينا عطفه على الاباضيين وتقريبه لإمامهم. وأيا ما كان الأمر، فإن هذه العلاقات التي استمرت حتى بعد بناء مدينة واسط (83 - 86هـ)، أخذت تسوء تدريجيا في أواخر القرن. وسبب تدهور العلاقات بين الحجاج وجابر بن زيد، يعزي في المكان الأول، إلى وفاة عبد الملك بن مروان سنة 86هـ، ولكن مما لا شك فيه أيضا، أن التقارب الذي وقع بين الاباضيين في البصرة وأسرة يزيد ابن المهلب الذي كانت نصيحة الحجاج للخليفة عبد الملك بن مروان السبب في عزله من منصب الوالي على خراسان، كان عاملا آخر في تحول الحجاج عن الإباضيين. وهذا التقارب ندرك عمقه إذا عرفنا أن عاتكة، شقيقة يزيد بن المهلب، /4/

٤ / ٢١٠