كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦رستم، فلما بلغ مبلغ الرجال وقرأ وأفصح، نظر إليه رجل من أهل الدعوة، فقال له: يا فتى، إن كنت طالبا ما أراك تطلبه، فاقصد إلى أبي عبيدة، مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله عنه، تجد عنده ما رجوت. فسار عبد الرحمن بن رستم إلى أبي عبيدة، فالتقى مع النفر الذي ذكرنا، فصافحهم أبو عبيدة وسألهم عن أحوالهم ومن أين أقبلوا، فأخبروه أنهم من أهل المغرب، وأنهم أرادوا تعليم العلم، فأجابهم إلى ذلك، ومكثوا عنده سنين عدة، وكان الشيخ أبو عبيدة رضي الله عنه مستخفيا متخوفا من بعض أمراء البصرة وأدخلهم سربا وجعل فيه سلسلة، فصار يعمل القفاف بباب السرب، فمتى رأى شخصا حرك السلسلة فيسكتون، فإذا انصرف حركها فيأخذون في عزمهم. وكان عبد الرحمن شابا جميلا حدث السن، وكان أبو عبيدة يجعل بينه وبين الناس سترا لئلا يشغلهم بجماله، فلما بلغوا من العلوم ما قدر الله لهم، وأرادوا الانصراف إلى بلادهم، كلم العجائز أبا عبيدة وطلبن إليه أن يريهن عبد الرحمن فيدعونه، فأجابهن أبو عبيدة، فأدخلهن عليه، وكن ثلاثا، فدعت واحدة منهن، فقالت: بارك الله في عين الشمس، وقالت الثانية: وبارك الله فيك كما بارك في البحر، وقالت الثالثة: وبارك الله فيك، كما بارك في مطيب الطعام من الملح. قال: فلما عزموا على المسير إلى بلادهم، كلموا أبا عبيدة واستشاروه في شأنهم فقالوا: يا شيخنا، قد كانت لنا في المغرب قوة، ووجدنا من أنفسنا طاقة، أفنولي على أنفسنا رجلا منها، وما ترى؟، فقال لهم أبو عبيدة: توجهوا إلى بلادكم، فإن كان في أهل دعوتكم ما تجب به عليكم التولية في العدد والعدة من الرجال، فولوا على أنفسكم رجلا منكم، فإن أبى فاقتلوه فأشار إلى أبي الخطاب رضي الله عنه، فلما أراد الخروج من عنده، تهيأ الشيخ للركوب ولموادعتهم وجعل رجله من الركاب، فسأله اسماعيل بن درار عن ثلاثمائة مسألة من مسائل الأحكام، قبل أن يستوي على متن الدابة، فقال له أبو عبيدة: أتريد أن تكون قاضيا يا ابن درار، فقال له اسماعيل بن درار: أرأيت إن ابتليت به يرحمك الله في ذلك الوقت أم قبل ذلك؟، ثم توجهوا إلى المغرب، فلما وصلوا عرضوا الإمامة على عبد الرحمن بن رستم فاعتذر إليهم، وقال لهم أن بيدي أمانة الناس وبضائعهم، وقبلوا عذره وتركوه، وأرادوا تولية أبي الخطاب رضي الله عنه الإمامة. /36/