كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧إمامة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ض
ذكر بعض أصحابنا أنه لما قدم أبو الخطاب مع أصحابه من أرض الشام إلى طرابلس، اهتم بأمور المسلمين من له النظر فيهم من المشائخ، فاجتمع جماعة من المسلمين بعدما اقتتل الحارث وعبد الجبار والناس في الكتمان، فكانوا يجتمعون ويذكرون عقد الإمامة، فأجالوا النظر وأطالوا الفكر فيما بينهم فيمن يولونه أمرهم، إن كانت لهم قوة على عدوهم، فكانوا يجتمعون في موضع يقال له صياد غربي المدينة، مدينة طرابلس، يظهرون على أنفسهم أنهم إنما يجتمعون في أمر أرض بين قوم أرادوا قسمتها، وأظهروا ذلك وأعلنوه، وقيل أنهم إنما يجتمعون على أمر رجل وزوجته اختصما، وإنما مرادهم الإمامة، فإذا اجتمعوا في ذلك الموضع، وفرغوا من كسلامهم، توجهوا إلى عامل المدينة، فيسلمون عليه مداراة له، حتى اتفق رأيهم على عقد الإمامة، فاجتمعت كلمتهم على مبايعة أبي الخطاب ض. وذكر بعض أصحابنا أنهم لما اتفقوا على ذلك، جعلوا بينهم موعدا يوما معلوما يجتمعون فيه بالصياد، فاتفقوا على أن كل واحد منهم يأتي بمن خلفه من الرجال، ومن تبعه من الناس بالسلاح، ويجعلون الدروق في الغرائز، ويحشونها بالتبن. وكان بينهم وبين مشائخ المسلمين من أهل المدينة ومن لا يقدر على النهوض معهم علامة، إذا رأوها دخلوا المدينة بجماعتهم وأن يشهروا السلاح ويظهروها، وأخبروهم أن الإمام هو أبو الخطاب في السر، فلما كانوا بالموعد اجتمعوا فيه بعامة المسلمين من شيوخهم البربر وغيرهم، من نفوسة وهوارة وجريشة، وغيرهم من أبناء القبائل. فلما توافوا بصياد، وقد أخرجوا أبا الخطاب حين خرجوا، وقالوا امضي معنا على بركة الله وعونه في هذا الأمر الذي تحيرنا فيه منذ زمان، قال: فخرج معهم أبو الخطاب ولم يدر ما يريدونه، وهو غافل عن مرادهم فلما وصلوا إلى صياد تكلم متكلمهم وقال: أليس قد اجتمع رأينا على ما قد علمتموه؟، قالوا: بلى.
قال: فأتموا أمركم إذا، قال: فقامت منهم طائفة ناحية فتكلموا فيما بينهم، ثم رجعوا، فقالوا لأبي الخطاب: ابسط يديك لنبايعك على أن تحكم بيننا بكتاب الله وسنة رسوله، فقال لهم أبو الخطاب: استغفلتموني وليس لهذا أخرجت إليكم، فقالوا له: لابد لك من الدخول في أمور المسلمين. فلما رأى الحقيقة منهم والجد، قال لهم: لا أقبل أمانتكم إلا على شرط، فقالوا له: كل شرط يجوز، فنحن معطوكه ونطيعك فيه. /37/