كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٩وكانت ورفجومة ولاية القيروان، فلما وصلت البطاقة إلى الإمام أبي الخطاب رضي الله عنه، صادفته وهو يتوضأ، وقرأ كتابها وصار يبكي رحمة لها لما نزل بها، فنادى بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، فصلى بهم وصعد المنبر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه خيرا ورغب أصحابه في الجهاد، وأمر رعيته بالاستعداد للحرب، وخرج أبو الخطاب من المسجد، فلما وصل إلى بابه، سل سيفه وكسر غمده، وقال: لا حكم إلا لله، ترغيبا للمسلمين في الجهاد وغضبا لله ولدينه. وبلغنا من طريق آخر أن ورفجومة أخرجوا من القيروان امرأة وهي تصيح وتقول: أغيثوني معاشر المسلمين من عسكره، فلما أصبح أبو الخطاب قطع خلفه ليعلم من رجع، فوجد أثر بعض عسكره قد رجع، فأمر مناديه أيضا في اليوم الثالث، فنادى فلما جنهم الليل، رجع من أراد الرجوع، وبقي من له رغبة في الجهاد، وعددهم ستة آلاف، فأمر أبو الخطاب رضي الله عنه أن يقطع خلف العكسر، ليعلم إن كان رجع أحد أم لا فقطعوا فلم يرجع أحد بعد ثلاث. وقال أبو الخطاب رضي الله عنه: أنا ضامن لمن مات في غزوتنا هذه الجنة، إلا من كانت معه إحدى ثلاث خصال: إحداها: قاتل النفس التي حرم الله، والثانية: من كان على فراش حرام، والثالثة: من كانت في يده أرض الغصب، وله منها مخرج. أما من كان على فراش حرام، فليبرأ منه وليستشهد أنها ليست بامرأته ويتوب إلى الله، وأما أرض غيره، إذا كانت في يده، فليتبرأ منها وليستشهد على تركها، وأما من قتل نفسا من غير حلها، فليفد نفسه لأولياء القتيل، فإن لم يجدهم فيلدفع نفسه في سبيل الله، فقام إليه رجل فقال: قد اجتمعت في يا أمير المؤمنين، فأمره الإمام أن ينتفي من الفراش الحرام ويتبرأ من الأرض المغصوبة ويقيد لأولياء القتيل، فإن لم يجدهم فليدفع نفسه في سبيل الله. وبلغنا أن أبا الخطاب رضي الله عنه جاز على مدينة قابس، فحاصر أهلها حتى ضعفوا وأذعنوا له بالطاعة، فجعل على المدينة عاملا. ولما وصل أبو الخطاب رضي الله عنه إلى أرض القيروان حاصرهم بأشد الحصار ما شاء الله. ثم إن عاصما السدراتي مرض مرضا شديدا، وكان من خيار العسكر، وهو أحد الخمسة الحملة للعلم، وأشد شوكة على أهل القيروان، فسمع أهل القيروان بمرضه وأنه اشتهى قثاة فبعث أهل القيروان رجلا بياعا يبيع القثاء، فسموا منها قثاة وأمروه أن لا يبيعها إلا لعاصم السدراتي. قال: فمضى البياع بما معه من القثاء إلى أن وصل العسكر واشترى /39/