كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٠لعاصم أصحابه القثاة المسمومة وأتوه بها فأكلها، فقطعه السم فمات وهرب البياع حين باعها لهم، فاستشهد عاصم رحمه الله، فصاح أهل المدينة أين عاصم السدراتي القتيل بالسم، ثم قال أحدهم مات عاصمكم يا بربر، فعلم أبو الخطاب أنهم خدعوه، وبلغ فيه موت عاصم مبلغا عظيما، فقال لأصحابه: إنهم خدعونا وغدرونا، فسنخادعهم كما فعلوا، فخادعهم رحمة الله عليه، فأمر أهل العسكر أن يأخذوا أسلحتهم ويخلوا أخبيتهم، ويخرجوا تحت الليل، ويأخذوا الطريق شبه منهزمين، فأصبح عسكر أبي الخطاب خاليا، فظن أهل القيروان أنهم هزموا لهم ليلا، فقالوا: انهزمت البربر، فأخذوا في طريقهم على أثرهم. ومضى أبو الخطاب رحمة الله عليه فيمن معه من إلى واد وراء فحص رقادة، وكمن فيه برجله وخيله، فأخذ أهل المدينة في طلب أبي الخطاب رضي الله عنه وأصحابه، فلما لحقوهم وجدوهم معسكرين، فترأى أبو الخطاب فيمن معه في وجوههم فهزموهم فتبعهم أبو الخطاب وأصحابه يقتلونهم حتى دخلوا المدينة معهم، فحصلت المدينة لأبي الخطاب، وذلك في سنة إحدى وأربعين ومائة من التاريخ. فلما استولى أبو الخطاب على المدينة، استعمل عليها عبد الرحمن بن رستم. وكان أبو الخطاب في حصاره المدينة قد أمر أصحابه ألا يفسدوا زرعا من زرعهم. وحدث بعض أصحابنا أن شيخا من شيوخ القيروان بعث ابنا له يرتاد مزرعة كانت بقرب مناخ عسكر أبي الخطاب رضي الله عنه، فقال: أي بني اذهب وانظر إن كان قد بقي في مزرعتنا شيء، قال: فخرج الغلام إلى الزرعة فوجدها كما كانت، لم يفسدوا فيها شيئا، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره، فتعجب الناس من عدل أبي الخطاب رضي الله عنه، ومن سيرته وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به من الحقوق. وقال الشيخ لمن كان بحضرته إنما تشبهون دينكم بدين أبي الخطاب وأين مثل أبي الخطاب في عدله وفضله. وبلغنا أن امرأتين خرجتا من مدينة القيروان حين هزم الله أهلها على يد أبي الخطاب، فنظرت واحدة منها إلى القتلى مزملين في ثيابهم، كأنهم رقود، فسمي ذلك الموضع رقادة إلى يومنا هذا، فأمر أبو الخطاب أهل المدينة إذ هزمهم، أن يخرجوا إلى قتلاهم ليدفنوهم، فتفقد أبو الخطاب القتلى، فوجد قتيلا مسلوبا، فأمر أبو الخطاب مناديا ينادي في عسكره: من أخذ منكم من القتلى شيئا فليرده، فلما أيس أبو الخطاب منه دعى أن يفضحه الله ويظهره على أعين الناس، فأمر أبو الخطاب أصحابه /40/