كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥

كانت من المناضلين في صفوف الاباضيين، ومن الدعاة المتحمسين لعقيدتهم. وبعدما تمت القطيعة، أخذ الحجاج يقوم بحملة اضطهاد ضد الاباضيين كان من نتائجها تشتيت رجال المذهب، كما أبعد هو نفسه كثيرا من علمائهم عن العراق، ومن بينهم جابر بن زيد، وساروا إلى عمان وغيرها من المناطق. كان من أعلم تلامذة جابر بن زيد الذي توفي في سنة 93هـ، وأشدهم تفانيا في الدفاع عن الدعوة، رجل اسمه مسلم بن أبي كريمة التميمي، أبو عبيدة. ويبدو أن أبا عبيدة ينحدر من أصل فارسي فيما يقول صاحب الأغانبي، مثل تلميذه عبد الرحمن بن رستم، وإن انتماءه إلى قبيلة تميم إنما كان بالولاء، على أن الأصل الفارسي أو البربري، لا يؤخذ في الاعتبار عند الخوارج لدى النظر في اختيار الإمام وأبو زكرياء يعقد فصلا خاصا في سيره لذكر فضائل البربر والعجم، ولذلك فإن أصل أبي عبيدة لم يقم حائلا دون اختياره خليفة لجابر بن زيد، على رأس الأمة الاباضية. والشيء الذي يتميز به أبو عبيدة عن شيخه وسلفه، هو أنه تعرض لاضطهاد الأمويين وعرف سجون الحجاج ابن يوسف وما تنطوي عليه من ألوان العذاب. وفي معرض الحديث عن تجربة أبي عبيدة مع الحجاج ابن يوسف، يقول الشماخي: لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضماما، منع أن يوصل إليهما شيء، وكانا يقصان شاربهما بأسنانهما، وكان أحدهما ينفض لحيته فيتساقط منها القمل، وكان طعام أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش، ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ويطرح فيها الملح، ثم يضربونه حتى تخرج رغوته، فمن شرب أولا، كان أمثل قليلا ومن شرب أخيرا كان ذلك العذاب. كان مركز الإمامة الاباضية في البصرة، وهناك أنشأ أبو عبيدة معهدا للدراسات الإباضية، كان هو نفسه يشرف عليه ويعلم الطلبة ويدربهم على القيام بنشر الدعوة ثم يبعث بما يسمى حملة العلم إلى مختلف البلدان، وكانت التعليمات التي يزود بها هؤلاء تقضي بأن يقوموا بعمل سياسي وبنشر الدعوة في السر حتى يخلقوا الظروف الملائمة، ويجتمع لديهم عدد كاف من الأنصار والمؤيدين، ثم يعلنوا حالة الظهور. وفي هذا السياق، يجب أن نعرف أن الإباضية في هذه المرحلة قد /5/

٥ / ٢١٠