كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٦مقتل أبي الخطاب وأصحابه رضي الله عنهم
حدثغير واحد من أصحابنا أن أبا الخطاب لما سمع بإقبال ابن الأشعث إليه، خرج فيمن خرج معه من البربر، فأغذى السير إلى ابن الأشعث، فوجده أبو الخطاب، وقد سبقه إلى الماء ونزل عليه. فقال ابن الأشعث لأصحابه: إن نزل أبو الخطاب ومن معه فاستراحوا وسقوا كرعهم، واستقوا، فإنكم لا تقدرون لهم على شيء، وإلا فأنتم أقدر عليهم منهم عليكم، وقد بدأت المعركة بين الفريقين بموضع يقال له تورغا بقرب مدينة طرابلس على مسيرة أربعة أيام، فيما قيل والله أعلم. فلما وصلهم أبو الخطاب تاقت نفوسهم إلى لقائهم والجهاد في سبيل الله، والناس على بصائرهم ولاقوهم، وأبو الخطاب في قلة وابن الأشعث وأصحابه في كثرة، فأسرع القتل في أصحاب أبي الخطاب، وكان بينهم قتال شديد، فصار الرجال في الصفين(1) كالحيطان. ولم يبرح أبو الخطاب رحمه الله بقلة من معه من المسلمين حتى استشهدوا، وقد استشهد معه أربعة عشر ألفا فيما ذكر بعض الرواة، وذكر آخرون إثني عشر ألفا ولم يفلت من عسكره إلى اليسير، فتسامعت رعيته بمقتله، فهربوا إلى الجبال ولجأوا إلى الحصون المنيعة والقلاع العالية. وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم، لما وصلت رسل الإمام أبي الخطاب إليه يستنفره، أسرع السير فأدركه خبر مقتل أبي الخطاب ومن معه من المسلمين بمدينة قابس، فافترقت عساكره، ومر مستخفيا حتى دخل القيروان. فلما سمع عبد الرحمن بن حبيب بمصاب أبي الخطاب ومن معه من المسلمين، بافتراق عساكره، ثار في مدينة القيروان، وطلب عبد الرحمن بن رستم فلم يصبه ولم يقدر عليه، فما زال يبحث عن أخباره ويتكشف عن آثاره حتى ظفر به، فابتدر رجل من أهل المدينة من أصحاب عبد الرحمن بن رستم إلى عبد الرحمن بن أبي حبيب، فشفع فيه، فقال أيها الأمير لي إليك حاجة. فقال له ابن الحبيب: حوائجك كلها مقضية، إلا عبد الرحمن بن رستم، فقال له الرجل القروي: إن لم أسألك في عبد الرحمن ابن رستم ففيمن أسألك؟، قال: فتركه له ابن حبيب. وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم رحمه الله، قال في عبد الرحمن بن حبيب قبل ذلك، وقد أرادوا استعماله في بعض أمور المسلمين، قال: /46/
(1) في الأصل كلمة غير مفهومة شكلها: تنهد.