كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٧يا معشر المسلمين، لا تولوا عبد الرحمن بن حبيب أمور المسلمين، فإنه إبليس إلا أن عليه بشرة بني آدم، فحقدها عليه ابن الحبيب. فلما افترقت جنود أبي الخطاب وجنود ابن رستم،(1) جعل عليه ابن حبيب الطلب، حتى شفع فيه القروي.
خروج عبد الرحمن بن رستم من القيروان
وبلغنا أن عبد الرحمن بن رستم خرج من القيروان، هو وابنه عبد الوهاب وعبد لهما، خائفين مستخفيين، فتوجهوا إلى أرض المغرب، ولم يكن معهم إلا فرس واحد، فمات لهم ببعض الطريق ودفنوه، مخافة أن يقتص أثرهم فيطمع فيهم من يتبعهم ويجتهد في طلبهم، إن علم بموت فرسهم، فسمي ذلك الموضع الفرس. وقد ضعفت قوة الشيخ عبد الرحمن فصار يحمله عبده تارة وابنه تارة أخرى، فإذا حمله العبد، قال له عبد الوهاب إن أدركنا العدو، فلا تضعن أبي إذا لم يكونوا إلا دون خمسمائة، أو نحوها فإذا أعيا العبد حمله عبد الوهاب، فقال له العبد مثل ذلك. فلما وصلوا إلى حوالي سوف أجج، وكان جبلا منيعا، تيممه عبد الرحمن وقصده والتجأ إليه. وحدث أبو الربيع سليمان بن يخلف عمن حدثه أن عبد الرحمن بن رستم لحقه بسوف أجج ستون شيخا من مشائخ الإباضية من طرابلس، وتسامع ابن الأشعث بخبر عبد الرحمن واجتماع الناس عليه، فأقبل مجدا في طلبه، فأخبر أنه في جبل منيع يقال له سوف أجج، فقصده حتى وصله، وحاصر عبد الرحمن بن رستم وأحدق على عسكره في حصاره إياه، مخافة أن يفاجئهم عبد الرحمن ومن معه من المسلمين ويطرق عليهم بليل، فأطال المقام تحته، فوخم عسكر ابن الأشعث ووقع فيه الجدري، فمات منهم بشر كثير وجمع ابن الأشعث أصحابه وقال لهم: إن هؤلاء قوم في جبل منيع يقال له سوف أجج لا يدخله إلا دارع أو مدجج ماذا ترون؟، فأشار عليه بعضهم بالإقامة تحتهم، وأشار عليه آخرون بالارتحال عنهم، فأخذ برأي الذين أشاروا عليه بالارتحال، فارتحل إلى مدينة القيروان، وقد أيس من إدراك عبد الرحمن وأصحابه ودخلها وتحصن فيها./47/
(1) في الأصل كلمة زائدة: ولذلك.