كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦وجدت تربة خصبة في بعض أطراف الجزيرة العربية، وخصوصا في عمان وفارس وزنجبار وافريقيا الشرقية، وفي المغرب. وهذه الأقليات الدينية هي التي عمل أبو عبيدة على تغذيتها بالعلم وتزويدها بوسائل التوغل الايديولوجي ولشحذ همم أبنائها لتوسيع دائرة إشعاع المذهب. وكذلك وجه أبو عبيدة بعثات إلى اليمن وحضرموت وعمان وخراسان، وإلى المغرب أيضا، وقد كانت بعثة المغرب تتألف من أبي الخطاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، واسماعيل بن درار الغوامسي، وأبي دواد القبلي النفزاوي. وهذه العمليات التي نالت نجاحا باهرا بسبب ما كانت تتمتع به من التنظيم، ولكن أيضا لأن نشاط حملة العلم، صادف انهيار سلطة الدولة الأموية في مختلف أطراف الخلافة. ولما قامت الدولة العباسية استمر الإباضيون على نشاطهم الذي وجد تشجيعا، بل ورعاية، من بعض الشخصيات البارزة في الدولة الجديدة، وفي مقدمتهم عمة الخليفة المهدي وزوجها عبد الله بن الربيع الذي اعتنق المذهب الاباضي، بل أن الخليفة أبا جعفر نفسه كان يبدي ميلا إلى الطائفة الإباضية. ولكنه بعد وفاة أبي عبيدة في سنة 145هـ، دخل نشاط المذهب الإباضي في مرحلة من الركود النسبي، ولو أن وجود الطائفة استمر تحت إمامة الربيع بن حبيب البصري، الذي خلف أبا عبيدة بل إن هذا الإمام حاول إحياء التقليد الذي سنه أبو عبيدة بإرسال بعثات من حملة العلم إلى الأقطار. على أن علماء المذهب لم يلبثوا أن أخذو في الهجرة جماعات إلى من البصرة إلى عمان، ولو أن وجود الطائفة استمر في الكوفة، فيما يبدو، طوال القرن الثاني الهجري، وكذلك تحول مركز الثقل في الإباضية الآن إلى عمان، بفضل الأثر الذي تركه هناك جابر بن زيد وغيره من زعماء المذهب الذين لحقوا به، ومن عمان انطلق إشعاع المذهب في اتجاه الهند والصين، وخصوصاإلى شواطيء افريقيا الشرقية المجاورة، كما أصبحت مصر مركزا للدراسات الإباضية لا يقل عن أهمية البصر سابقا. ولكن الدور الذي سيلعبه رجال المذهب في المغرب سيكون حاسما في المراحل الأولى من تاريخ الإسلام في هذه البلاد. فأول من حمل الدعوة إلى المغرب، كما ذكر أبو زكرياء، هو سلامة بن سعد وعكرمة بن سعد الذي يعزى إليه نشر مذهب الصفرية، في أوائل القرن الثاني الهجري. /6/