كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٤ثم إن الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه، رجع من بعض حوائجه، فوجد على باب المدينة مقتلة عظيمة، فأخبره أهل المدينة خبر ابن فندين وأصحابه، فأمرهم بالقتلى فجمعوا ما أمكنهم، فصلى عليهم رجاء في الصلح، وطمعا في العافية لعامة المسلمين من بقية أصحاب ابن فندين. ثم إن شعيب بن المعروف هرب حين انهزم القوم إلى مدينة طرابلس، فأظهر فيها الخلاف للإمام والبراءة منه، واستقبل الحجاج بذلك، واتصل ذلك إلى الربيع بن حبيب رضي الله عنه، وجماعة المسلمين بأرض المشرق فتبرءوا من شعيب ومن يزيد بن فندين وأصحابهما الذين قتلوا معه ومن كان على سبيلهم إلا من تاب. وكان الربيع بن حبيب رضي الله عنه يقول في مجلسه: عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين، ويظهر البراءة من شعيب ويزيد بن فندين، فقيل له: كيف تبرأ من شعيب بغير حدث؟، فقال: وأي حدث أعظم من براءته من عبد الوهاب أمير المؤمنين، فعند ذلك يقول عبد الوهاب إمامنا وتقينا وإمام المسلمين أجمعين. ثم إن بقية أصحاب ابن فندين الذين لم يصابوا يوم قتل، بقيت في أنفسهم حزازات وضغائن، فتنحوا ناحية من المدينة واجتمعوا بربوة، أو كدية، فسميت كدية النكار، ثم إن الرسولين الذين توجها نحو المشرق قدما إلى تاهرت وقد تقدمت من يزيد بن فندين وأصحابه الواقعة، فاجتمع أهل المدينة على جواب إخوانهم من أهل المشرق، فأخذوا الكتب فقرؤوها فوجدوا فيها تخطئة ابن فندين وأصحابه، وإثبات ولاية عبد الوهاب رضي الله عنه، فمكثوا في ذلك حينا. وبلغنا أن ميمون بن عبد الوهاب قتل بليل ومزق لحمه وقطع إربا إربا، فلما أصبح وجده أهل المدينة على تلك الحالة قتيلا، فأتاه الإمام عبد الوهاب رضي الله عنه فلما نظر إليه، قال: إي بني اجتمعت فيك ثلاث: قول قائل، ويل لمن مرت الخيل بكسائه، وويح لمن أصيب بليل، وقول القائل: إذا أمسست ابن السلطان بسوء، فأمسسه مسا عنيفا. فأخذ عبد الوهاب ابنه فجهزه وكفنه ودفنه، ولم يدر من قتله. ثم إنه خرج ابن لميمون بن عبد الوهاب ساعيا، فلما وصل إلى النكار نادوه: بابن المهدور دمه، فرجع إلى جده عبد الوهاب فأخبره، فاستقصى عبد الوهاب رضي الله عنه في قتل ابنه، فلما صح عنده أن النكار هم الذين قتلوا ابنه أنفذ إليهم جيشا، فجعل عليه ابنا لميمون فخرج إليهم على مسيرة أيام في المدينة، فصادفهم مجتمعين على عدتهم، منتظرين له، فصادفوه فقاتلهم فهزمهم الله له، فقتل منهم عددا كبيرا /64/