كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٨

قال وأخذ النفر الأربعة في هيئة السفر، فخرجوا من جبل نفوسة، متوجهين إلى تاهرت، فلما انفصلوا من الجبل طلبهم محمد بن يانس أن يدعوه أن يكون خادمهم فأبوا عليه، وألح عليهم في الطلب، فأجابوه إلى ذلك، فإذا ارتحلوا نهارهم ونزلوا عند الليل، عمد محمد بن يانس إلى خيلهم فيعلفها، فيأخذ في صنع طعامهم، فإذا طعموا وناموا، أقبل على الصلاة راكعا وساجدا، حتى يطلع عليه الفجر، وكان صائما نهاره، قائما ليله، فكان ذلك دأبه ودأبهم، فلما رأوه متماديا على ذلك، أشفقوا عليه وشق عليهم ذلك، فطلبوا إليه أن يرفق بنفسه ولا يحملها فوق طاقتها، وأن يترك بعض ما يعمل في السفر ويأخذ غفوة بالليل، فأبى لهم، فعزموا عليه أن يترك وإلا طلبوا من يخدمهم غيره. فلما رأى جدهم وعزمهم، وخاف أن يمنعوه خدمتهم، ويخدهم غيره، قال لهم: أنا أفعل ما أردتم، ولكن على شرط أن تدعوني أركع ركعتين لا أزيد عليهما بعد إن شاء الله. فلما سمعوا منه ذلك، طابت نفوسهم بذلك وسرهم وظنوا أنهم أصابوا حاجتهم. فلما كانت الليلة المقبلة، وقد فرغ من خدمتهم، قام إلى الركعتين اللتين وعدهم(1) ألا يزيد عليهما شيئا، فقرأ في الركعة الأولى نصف القرآن، وفي الركعة الثانية النصف الآخر، وطلع عليه الصبح. فلما كان الغد شق على أصحابه ما فعل أكثر من أول مرة وبلغ فيهم ذلك، وطلبوا إليه أن يرجع كما كان أول مرة، لأن ذلك أرفق به وأروح مما التجأ إليه. وبلغنا أنهم رقدوا ذات ليلة، إذ انتبه أحدهم من منامه، فنظر إلى ابن يانس قائما يصلي، وكانت ليلة ممطرة ذات ريح(2) وقر، فسمع طرف كسوة ابن يانس يضرب بها الريح، فتصوت فقال: إن كان لا يدخل الجنة إلا من كان مثلك يا ابن يانس فستصيبك بها الوحشة. وبلغنا أن الإمام لما سمع بخروجهم من جبل نفوسة وإقبالهم إليه وقربهم منه، كلم عبيدة وقال: من بشرني منكم بقدوم أهل نفوسة، فهو حر وكانت العبيد إذا طلعت الشمس خرجوا من المدينة، ينظرون يمينا وشمالا، وكان للإمام رضي الله عنه عبد أعرج، لا يستطيع النهوض مع جملة العبيد، فعمد إلى سور المدينة فرقى عليه فلزمه، وقعد عليه فكانت حال العبيد كما ذكرنا، يخرجون كل يوم ينتظرون قدوم أهل نفوسة. فلما كان ذات يوم رأت عبيد الإمام رضي الله عنه أهل نفوسة وقد أقبلوا، فتبادروا إلى الإمام وتسابقوا إليه ليخبروه بقدومهم فنظر إليه الأعرج بعيدا، فقام وصاح إلى الإمام وأخبره بقدومهم وبشره بهم، فخرج /68/

(1) في الأصل: وعدلهم.

(2) في الأصل كلمة غير مقروءة بالشكل التالي: وصر.

٦٦ / ٢١٠