كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧١

نفسه وظنت به الظنون، فأرسل إلى مهدي في سر من أصحابه يقول له إني إذا ناظرتك وغلبتني أريد أن تستر علي، وإن غلبتك سترت عليك، وليس فينا أحد يدري لمن الدائرة على صاحبه. فاتفق مهدي مع أصحابه أنه إذا غلبت المعتزلي، إن علامة غلبته له أن ينزع شاشيته عن رأسه ويضعها تحت ركبته. ثم إنهما جرت بينهما وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولان، فلم يفلح أحدهما على صاحبه، ثم إنهما دخلا في فنون العلم، فخفى ذلك عمن حضرهما، غير أن الإمام يعلم ما يقولان، حتى صار كلامهما عند جماعة من حضرهما كالصفق بين الحجرين عند الإمام وعند غيره، فما كان بأوشك أن غلبه مهدي. فلما غلبه، أخذ الشاشية فنزعها عن رأسه وجعلها تحت ركبته، وكان ذلك أمارة بينه وبين أصحابه، إذا غلب المعتزلي فكبر أصحاب مهدي لغلبة مهدي عليه. فلما نظر إليه المعتزلي وما فعل، قال: غدرتني يا مهدي، فلما افترقا من المناظرة، وقد أفلح عليهم مهدي، خرج الفتى المعروف بالشجاعة من المعتزلة فطلب المبارزة. فأخذ أيوب بن العباس في هيئة الخروج إليه فجذب فرسه حتى استوى بين الصفين، فأراد ركوبه حيث يراه الفريقان، فتجاهل في ركوبه، فضحك منه عامة الفريقين وازدرته أعينهم، فقال لهم أبو الفتى الشجاع من المعتزلة: هيهات الآن جاء من يقتل ابني، أولا ترى فرسه حين ركبه كيف أدلى، ولا يفعل الفرس ذلك إلا تحت الفارس الحاذق. فخرج أيوب إلى الفتى، فاقتتلا مليا وتضاربا قليلا، فحمل عليه أيوب بن العباس فضربه فقتله. وذكر بعض أصحابنا أنه طعنه فشقه برمحه(1) فلما رأت الواصلية ابن رئيسها وعميدها وفارسها الذي يحمي عنها صريعا، ولوا منهزمين، بعدما حمي الوطيس واشتدت الحرب واستمر القتل في المعتزلة. وكان أفلح بن عبد الوهاب يضرب على ناحية وأيوب بن العباس يضرب على ناحية أخرى، وكان سيف أيوب ابن العياس ليس له إلا حد واحد. وقيل شبران مما يلي المقبض، وليس له حد من ناحية واحدة، ولعله إذا عيي جعله على عاتقه. فلما أمعن أهل العسكر في قتل الواصلية وأثخن، وضعت الحرب أوزارها ولم يكد يفلت من المعتزلة إلا اليسير، صار المسلمون يعدون من أصابه أفلح ابن الإمام رضي الله عنه، ومن أصابه أيوب بن العباس فوجدوا /71/

(1) في الأصل: في رمحه.

٦٩ / ٢١٠