كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٢أحدهم أكثر قتلا بقتيل واحد، وقد ذكر أنه أفلح، وذكر بعض أصحابنا أن قتلى أفلح عدتها أربعمائة قتيل. وذكر بعض أصحابنا أن أحدهما كان يضرب على ناحية واحدة، والآخر يضرب على الناحيتين، والله أعلم أي منهما. وبلغنا أن المعتزلة حين انهزموا كان المسلمون في ساقتهم وأن أيوب بن العباس، نظر إلى شيء واقف كهيئة رجل في حومة العسكر، في نقيع الحجاج، فخاله رجلا فضربه بسيفه فيمن ضربه وأحس في يديه حين ضربه شدة، فلما رجع قال لأصحابه: إني ضربت شيئا قويا، ولست أدري ما هو، فتصفحوا من القتلى فوجوده عمودا واقفا، فلما مسوه بأيديهم وقع من ضرب أيوب له بالسيف فصار نصفين. ثم بعد ذلك بزمان، أرسلت المعتزلة إلى أيوب بن العباس أن يأتيها بعد ما فعل فيها الأفاعيل، فأراد المسير إليهم، فمنعه عامة المسلمين من ذلك، وأبى عليهم إلا المسير، وخوفوه من الغدر فلم يشتغل بهم. قال: فسار أيوب بن العباس حتى وصل إلى بعض أحيائهم تيممه، فابتدره أحل الحي وأنزلوه في خص ورحبوا به. فلما جنهم الليل قربوا له عشاءه، وهي قصعة كبيرة عليها شاة لحم ورطب من لبن، فأكل القصعة كلها وانتقى عظام الشاة، عظما عظما حتى أتى على آخرها، وشرب الوطب كله من اللبن، ولم يفضل شيئا. ثم إنه عمد إلى الركاز الأوسط من الخص، فاتكأ عليه، فأخذ في قراءة القرآن حتى أصبح، فلما أصبح عليه الصباح صلى صلاة الصبح بوضوء العشاء الأخيرة، ولم ينتقض عليه الوضوء. فلما طلعت الشمس، أمرهم أيوب أن يقربوا له فرسه، وقد اتفقوا أن يغدروا به، فلما ركب فرسه تكلم متكلمهم، فقال: يا أيوب إن فتيان الحي أرادوا أن تلاعبهم على فرسك.
فقال لهم أيوب: أجل.
ثم إن فتيان الحي ركبوا خيولهم، وأخذوا قضبانا يترامون بها، وكان فيهم رجل ذو نجدة وشجاعة فتكفل لهم بغدر أيوب. فلاعبهم أيوب قليلا، فلم يشعر إلا والرجل خلفه، فشد عليه بالرمح، فتغافل عنه أيوب حين علم به. فلما أراد أن يضربه اتقى أيوب ضربته فشد عليهم أيوب فقتل منهم ثمانية وحمل عليهم مرة أخرى فقتل منهم ثمانية أخرى، فصاح إلى نساء الحي: هل يكفيكن أم أزيدكن؟.
فقلن له: يكفينا.
قال: فتوجه أيوب بن العباس وبلغنا أنه جاز بواد فوجد فيه سبعا ولبوة وأشبالهما، فشد عليهم بالسيف وقطع حين ضرب رجلي الأسد /72/