كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٨ما بال السلاح؟، فقال له: للدفاع في سبيل الله، فقال له: من تدفعون؟، فقال: من بغي علينا. فتكلم رجل آخر من عسكر أبي عبيدة إلى صاحبه، فقال له: مالك بينت له الكلام؟، فقال له الرجل: طمعا في الصلح ولتأخير بعض الشر يا أخي. ثم إن الصفين تدانيا بعضهم من بعض، وذكل عشية الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد هجرة رسول الله ص، والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان في عسكر أبي عبيدة رجل شجاع، حاذق بالطعن، يقال له العباس: وهو أبو أيوب بن العباس نظر إليه أبو عبيدة وهو يضرب في أعراض الخيل ويكشفها يمينا وشمالا وقد حمى الميمنة والقلب والميسرة، فقال أبو عبيدة(1): وقد ذكره صار في عيني كالعقاب معصم، لما أكلته النار، يريد العباس. وقد ذكروا عن العباس أيضا أنه ضرب رجلا بسيفه فطير رأسه، فقال العباس للرأس حين طارت: إلى النار!، فقال له الرأس مجيبا: ولبئس المصير!، وكان ممن قد عرف بالنسك والعبادة قبل ذلك، وقال العباس جسد ادعوا له بالجنة زمانا تأكله النار! إنا لله وإنا إليه راجعون. وبلغنا أن رجلا من أصحاب أبي عبيدة، رمى في عكسر خلف بمزراق، فصادف رجلا فخرج منه المزراق وركل خلف الرجل، فخر صريعا فبنوا بعد ذلك في ذلك الموضع وجعلوه مصلى، وهو إلى اليوم معروف فأرسع القتل في عسكر خلف وانهزموا وقتلت منهم مقتلة عظيمة. وأمر أبو عبيدة أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح، فأحسن فيهم السيرة، أحسن الله إليه، فانحاز عليه(2) خلف وبقية أصحابه إلى تيمتي فأمر بإخراج جميع من فيها من نفوسة وغيرهم، من أصحاب أبي عبيدة. ولقد أخرج منهم كثيرا من أصحابه غلطا عليهم وأجل لهم ثلاثة أيام، فمن وجد بعد ذلك فمهدور الدم والمال، ومن ليس له ذنب، على كره منهم، من منازلهم وأوطانهم. فلما هزمهم الله افترق جل أصحابه عنه من نفوسة وغيرهم، فصاروا يأتون إلى أبي عبيدة يتوبون ويقبل منهم توبتهم ويرجعون عن خلف. وبلغنا أن رجلا ذا مجهود أتاه فيمن أتاه تائبا فقال له: تبت يا أبا عبيدة، فقال له أبو عبيدة: قبلت عنك تاب الله عليك، فأتاه رجل آخر ممن أتى الأمر على عمد وعلم، فقال: تبت يا أبا عبيدة، إن لم يسدد بعد، يا بن تجيمت، يريد باب التوبة، فأوهن الله شوكة خلف، ولم تسكن له بعد /88/