كتاب سِيَر الأئمة وأخبارهم يحيى بن أبي بكر بن سعيد اليهراسني الوارجلاني أبو زكرياء

كتاب سير الأئمة وأخبارهم لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٤

فإذا خلا سعيد بأصحابه، قال: ليس جزاء من يخدمني ويبني لي أن أشتمه في وجهه، وإنما تخوفت من الفتنة على الناس، ولذلك فعلت ما فعلت، وإنما جزاؤه الخبز واللحم. وذكر بعض أصحابنا أن نفاثا توجه إلى أرض المشرق، فلما وصل إلى بغداد، مكث فيها زمانا وكان يستأنس برجل من أهل بغداد ويقعد معه في حانوته ويحدثه، فبينما هم كذلك، إذ سمع نفاث مناديا ينادي، فقال لصاحبه: ماذا ينادي المنادي؟، فقال له صاحب الحانوت: يقول من أجاب أمير المؤمنين في مسألة، فله سؤله ومناه. فقال له نفاث: أنا أجيب أمير المؤمنين على مسألته. فقال له صاحب الحانوت: أسكت لأنه سيقطع رأسك إن لم تجب أمير المؤمنين بعد تكلفك الجواب. فقال له نفاث: أجيبه عن كل ما سأل. فلما جاز أعوان السلطان على الحانوت، قال لهم صاحبه: إن هذا الرجل تكلف أن يجيب أمير المؤمنين على سؤاله. قال: فابتدر الأعوان إلى نفاث، فأخذوه وحملوه ومضوا به إلى دار الإمارة، فاستأذنوا له على السلطان، فأذن لهم السلطان فدخله عليه. فلما مثل بين يدي السلطان سلم سلام الإمارة، فقربه السلطان وأدناه فسأله عن أحواله وبلده ونسبه ومولده، فقال نفاث: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من البربر، والبربر ليس معهم أدب، فأريد أن تأذن لي أن أتكلم في مجلسك بما بدا لي. فقال له السلطان: قل ما بدالك. ثم إن السلطان سأله عن مسألة فأجابه عنها وزاد عليه السؤال، فكلما زاد عليه أجاب، وقد اجتمعت وجوه بغداد وفقهاؤها وعلماؤها، فطفقوا يسألونه عن العلم حتى عيوا، فلم يقدروا على شيء، فنظر إليه السلطان وتأمله مليا، وتعجب مما حوى من العلم، مع سخافته ونسبه، وقلة أدبه، فقال: نعم العسل في ظرف سوء، ففطن له نفاث فقال: وهو يعرض به، كما فعل هو: نعم الرجل في نفر سوء، يريد ديوان جابر بن زيد رضي الله عنه الذي كان محصورا في الخزائن لا يستنفع به أحد، واحتمى لذلك السلطان وغضب وأنف من قوله، وتذكر عهده وأمره له أن يتكلم في مجلسه ما يريد. ثم إن السلطان قال له: سل حاجتك؟، فقال له نفاث: حاجتي أن تهب لي ديوان جابر بن زيد أن أنسخه، فأجابه السلطان إلى ذلك، فلما خرج نفاث، قال للسلطان بعض وزرائه، وكيف يا أمير المؤمنين عند ديوان جابر بن /94/

٩٢ / ٢١٠