الاستثمار واقتصاد السوق بين الأصالة والعصرنة
الجزء ١ · صفحة ٥٢آفتان اجتماعيتان تمكنتا في المجتمع الجاهلى - العربي وغيره - فجاء التدرج في تحريم الخمر والميسر ابتداء من قول الله عز وجل: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا» (البقرة (219)، ثم جاء قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ» (النساء (43)، ثم نزل التحريم النهائي بقوله عز وجل: «يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، (المائدة 90، 91).
وهكذا الامر بالنسبة لتحريم الربا فقد نزل أول ما نزل قول الله عز وجل: «فَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِتُرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (الروم) (39)، ثم قوله تعالى: «الذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَيْنِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا» هكذا على جهة التشبيه المقلوب كما يعبر عنه في علم البلاغة، وكأن الربا هو الأصل، بعامل الغلو والتطبع والالف والاعتياد، فكان جواب الله عز وجل دحضا لمقولتهم بقوله: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ (ولم يعده بالمغفرة) وَمَنْ عَادَ فَأَوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ» (البقرة (275).
52