قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعاملات
الجزء ١ · صفحة ١٢٩الحديث، وعمم
شارب الخمر، بقدر ما شدد في ذلك بما تقتضيه الحكمة من سيانة المجتمع من مضار الخمر وعواقبها فإنه شدد مثل ذلك في بيعها كما هو صلب هذا الحكم بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين، فلم يسمح أن تباع لغير المسلمين من يهود وغيرهم ولا أن يكارموا بها مهاداة لهم، في قصة الرجل الذي أهدى للنبيء الراوية خمر بعد أن حرمت ولم يبلغه ذلك وقد كان معتادا لمثل هذه الهدية لا ليشربها النبيء الا حاشاه، وإنما قد يبيعها قبل أن تحرم ويحرم بيعها فينتفع بثمنها، أما بعد أن حرمت فقد ردها، وقال لصاحبها: «أما علمت أنها قد حرمت» فقال الرجل: «إذن أبيعها» فقال عليه السلام: إن الذي حرم شربها حرم بيعها» قال الرجل: «إذن أكارم بها اليهود فقال: «إن الذي حرم شربها وبيعها حرم أن يكارم بها اليهود فقال: وماذا أصنع بها؟» قال: «شنها على البطحاء فأهرقها» (1) فبهذا يتبين لنا كيف كان الإسلام وما زال دين الإنسانية كلها لا يرضى المضار والآفات الاجتماعية والخلقية لأتباعه ولا لغيرهم من بني الإنسان بقطع النظر عن كونهم تحت ذمة المسلمين وسلطانهم أو خارج ذلك، لأن الخمر لا يقف ضررها عند شاربها بل يعدوه إلى المجتمع كله ولعل عواقب المخمور غير المسلم أشد منها ممن الإسلام، وإن المسلم إذا عاقر الخمر فزال عقله زال معه دينه
يدعي وذلك قوله عليه السلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو
(1) رواه مسلم وأحمد والنسائي عن ابن عباس بألفاظ مختلفة.
الممسوحة ضوئيا بـ CamScanner
- 128 -