قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعاملات محمد بن بابه الشيخ بالحاج

قبسات من الهدي النبوي في أحدث المعاملات

الجزء ١ · صفحة ٣١

أباه فيما يأخذ من ماله فقال له عليه السلام: «أنت ومالك لأبيك» (1) فلأن الملكية المضافة للأب هنا لها مدلول خاص لا تعدو ملكية الأب حق الانتفاع بمال ولده من غير تفويت أعيانه أو الانتفاع بمجهود ولده في خدمته، يأمره وينهاه وعلى الولد الطاعة والامتثال لذلك في غير معصية الله، وما يقال بالنسبة للوالد أزاء ولده يقال بالنسبة للإنسان أزاء أجزائه وأعضائه وأطرافه البدنية، فإنه يملك منفعتها ولا يملك أعيانها، وعليه أن يتعاقد غيره على بذل منافعها بعوض عن طريق الإجارة- فيسعى ويعمل لغيره بيديه ورجليه أو أذنيه وعينيه أو لسانه وفكره وكل طاقاته، وقد يبذل ذلك بغير عوض تطوعا وبجانا في سبيل الأجر والخير العاجل لخدمة الصالح العام لعباد الله وعياله مسلمين وغيرهم، فكل ذلك جائز.

فيجوز

أما أن يتعاقد على بيع وتمليك ذاته أو عضو من أعضائه يبتره ويملكه لغيره بثمن وعوض يتفقان عليه على سبيل الاتجار والمماكسة والمكايسة فلا سبيل له لذلك، لأن ذاته ملك الله - ملكية حقيقية دائمة لم يخوله منها إلا منفعتها ولعل هذا هو الحكم بالنسبة لبقية الممتلكات، إذ الملكية الحقيقية للأشياء كلها لله ولكن سخرها لنا وخولنا الانتفاع بها بمختلف وجوه الانتفاع من غير إتلاف أو إفساد لها، فلو أن إنسانا ملكه الله قطعانا من المواشي فعنَّ له أن يفنيها قتلا وإبادة من غير انتفاع بها – أكلا أو تجارة - بل على جهة الإفساد والعبث لما جاز له ذلك وكان آثما عند الله مذموما عند الناس داخلا في قوله تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى

(1) رواه ابن ماجة وابن حبان والبراني من طرق متعددة ورجاله ثقات.

الممسوحة ضوئيا بـ CamScanner

- 30 -