114. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
الجزء ١ · صفحة ١٧مِصْدَاقُ ذلك قوله تعالى في كتابه العزيز - وهو أصدق القائلين: إن
تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
وأما إخلاص القصد في العمل لوجه الله فقد أَضَلَّنا عنه بَهْرَجُ الغرب الزائف؛ مِنْ سياسة ملتوية، وماديَّةٍ غاوية، وتَقَلُّبِ مع ريح القوة، واستكانة يزعم الزاعمون أنها الحكمة والدهاء، وما هي – لَعَمْرُ الحق – غير تسليم النفاق والرياء. ولو أننا سلكنا خطة مُثْلَى من الاستقامة والوضوح في القصد والعمل، وذُدُنَا عن أنفسنا غواية المال والجاه، وصَبَرْنا على الشدائد، وجعلنا الله وحده في نضالنا وِجْهَتَنا ومصدرَ يقيننا؛ لَمَشَت الدنيا اليوم بين أيدينا كما مشت بين يدي أبي بكر وعمر ومَنْ بعدهما، قبل ثلاثة عشر قرنًا من
دورة الزمن.
جماع هذه المُثل التي نفتقر إليها في إصلاح أنفسنا وتدعيم نهضتنا، لنكونَ أقوياء على الكفاح، وتَكُونَ مُجْدِيَةً مثمرة؛ في سيرة نبينا محمد عليه
الصلاة والسلام. بُعِثَ سيدنا محمد الله الله في أمة من أعرق الأمم في البداوة، فَرَّقَتْها العصبية الجاهلية، وأَضَلَّتْها الوثنية الباطلة، وأَعْضَلَتْها الأمراض الاجتماعية، وهي على ذلك لا يَفْتَأُ بينها تنازعُ البقاء، فكانت يَوْمَ بَعْثِهِ أَسْلاءَ مَزَّقَتْها الثاراتُ، ونَهَكَهَا الفقرُ وتَغَشَّاها ظلام الجهل، فهي من الضعف المادي والاجتماعي بحيث لو كان فيها مطمع لكانت نَهْبًا مُقَسَّما بين الفرس
والروم.