بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
الجزء ١ · صفحة ٦١في لباس النصارى
وإن استَأْثَرْناها هلَكتِ الحَيضُ. فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «إِنَّما أُمَرْتُكم أن تعتزلوا مُجَامَعَتَهُنَّ إِذا حِضْنَ، ولمْ آمُرَكُمْ بِإخراجهنَّ من البيوت كَفِعلِ الأَعاجِمُ»، فلمَّا سَمِعَ اليهود ذلك قالوا: هَذَا الرَّجُلُ يُريد أَنْ لا يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. ثُمَّ جَاءَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَاهُ بِذلِكَ وقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ؟ فَتَغَيَّر وَجهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِما، فَقَامَا، فَجَاءَتْهُ هَدِيَّة مِنْ لَبَن، فَأَرْسَلَ النَّبي الله إليهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَغْضَب
عَلَيْهما.
ففي
الأمر بمخالطتهنَّ في البيوتِ مُخالفة لليهود والمجوس، وفي الأمر باعتزال مُجامعتهنَّ مُخالفة للنَّصارى، فكان هذا الأمر وَسَطًا بين الإفراط والتفريط، وهُوَ سَبيل الملَّة الحَنيفية، والشَّرِيعَةِ المحمدية، وإنما قالَ الرَّجلان: أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ؟ “ طَلَبًا منهما لاستقصاء مُخالفة اليهود حين رأوا أنَّ ذلك يغيظهم، وذهلوا أنَّ فيه مُوافَقَة النَّصارى، وكان المطلوب مُخالفة الفريقين.
ومنها قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]، فَإِنَّها نزلت بخلاف أمر اليهود في إتيان نِسائِهِم. أخرَجَ أبو داود والحاكم عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ مَعَ هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودِ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، كَانُوا يَرَوْنَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَكَانُوا يَقْتَدُونَ بِكَثِيرٍ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لا يَأْتُونَ النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، وَكَانَ هَذَا الحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَشْرَحُونَ النِّسَاءَ شَرْحًا، وَيَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِمَا ذَلِكَ،
نور
انظر: كتاب الجامع الصغير، العلامة محمد بن يوسف أطفيش، ج 1، ص 229. وأيضا: معارج الآمال، الإمام الدين السالمي، ج 2، ص 204 - 205. وأيضا: تفسير الكشاف الزمخشري، دار المعرفة، سورة البقرة،
ص 129.
61