بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
الجزء ١ · صفحة ٨١في السبب الذي دخل به النصارى بلاد الإسلام
فجَلَس بِناحِيَة مِن المسجد، وأرسل إلى الرَّجل، فصلى ركعتين، واستلم الركن، وأقبل مع الرسول فسلَّم عليه بالخلافة.
فقال المنصور: ما الذي سمعتُك تذكر من ظهورِ الفَساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحق وأهله مِنَ الطَّمع؟ فوالله لقد حَشوتَ مَسامِعي ما أَمْرَضَني.
فقال: إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلَمتُك بالأمورِ مِن أصولها، وإلا احتجرتُ منك واقتصرتُ عَلى نفسي فلي فيها شاغل.
قال: فأنت آمن على نفسك فقُل. فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الذي دَخَله الطَّمع وحال بينه وبين ما ظَهَر في الأرضِ مِنَ الفَسادِ والبَغي لأنت. فقال: فكيف ذلك ويحك! يَدْخُلُني الطَّمع والصَّفراءُ والبَيْضاءُ في قَبضَتي، والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخل أحد من الطَّمع ما دَخَلك؟ إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فأغفلت أمورهم، واهتمَمتَ بِجَمْعِ أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجُرّ، وأبوابًا من الحديد، وحُرَّاسًا معهم السّلاح، ثم سَجَنتَ نفسك عنهم فيها، وبعثت عُمَّالك في جبايات الأموال وجمعها وأمرت أن لا يدخل عليك أحدٌ من الرّجال إلا فلان وفلان نَفراً سَمَّيْتَهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف، ولا الجائع العاري إليك، ولا أحد إلا وله في هذا المال، حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرهم على رَعيَّتك وأمَرتَ أن لا يُحجبوا، دونك تحبي الأموال وتَجْمَعُها. قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نَخونه. فائتمروا ألا يصل إليك مِن عِلم أخبار النَّاسِ شَيءٌ إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل إلا خونوه عندك ونفوه، حتى تسقط منزلته عندك، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، عظَّمهم النَّاسُ وها بوهم وصانعوهم، فكان أول من صانعهم عُمَّالُك بالهدايا والأموال، ليقووا بها على ظلم رعيَّتك، ثم فعل ذلك ذَوُو المقدرة والثروة من رعيَّتك لينالوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظُلما وبغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سُلطانك وأنت غافل، فإن جاء متظلّم حِيل
1 أي الرجل.
81