بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود
الجزء ١ · صفحة ٩وإن الحديث عن هؤلاء ليثير في داخلي كرها وبغضا لا حد له، فمن أين أبدأ معك – أيها القارئ - حديثي عن رجال فرطوا في أعظم وأعز ما نملك! وإن من الحق أن نقول ونشهد أن الأمة حين تركت أمورها بيد سفلتها ودوابها، إنما وضعت شرفها وعرضها الغالي في كفّ أشد الناس طاقة على إذلالها، ففصلوها عن عقيدتها وتاريخها ولغتها، وحلوا أخلاقها، وأذابوا معاييرها، وتنكروا لكتاب الله وسنة نبيه، وتواطأوا مع العدو الغاشم وأعلوا قدره وقربوه إليهم زلفى؛ زعما أنهم يريدون بذلك نهضة الأمة واستجلاب مصالحها! فكيف يرجى بعد ذلك لأمة تصدرها عبيد الشهوات، وأصحاب العزم الفاتر والحظ الضئيل من علوم الإسلام ورسالته العظمى أن تستلم دورها وتؤدي رسالتها وتقود العالم بأسره بكلمة الله، وهي بيد من لا يؤتمن على قطيع غنم، فكيف
يؤتمن على دين الله وأرض الله ودولة المسلمين
وقد أحسن الإمام – رحمه الله – في تبيين مبدأ الاستقلالية في مظاهر الحياة الاجتماعية المختلفة الذي ربى النبي الله هذه الأمة عليه، ليكون هو القاعدة الأساسية الذي يحفظ للأمة الإسلامية هويتها وكينونتها، ولذلك فقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم القواعد والآداب والأصول اللازمة لتبقى الأمة هي الممسكة بزمام القيادة والريادة والمبادرة، ويكون هذا هو مقامها الأصيل الذي إن تركته فقدت توازنها وأصبحت متذبذبة لا يعرف لها قرار، فتكون أسيرة الأحداث والظروف تعيش تحت وطأة الخصوم دائما، إذ هي في موضع رد الفعل لا الفعل نفسه.
وقد أجاد شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال في التعبير عن هذا المعنى الذي سطره في قوله: إن المسلم لم يُخلق ليندفع مع التيار، ويُسايِرَ الرَّكبَ البشري حيث اتجه وسار، بل خُلِقَ ليُوجة العالم والمجتمع والمدنيّة، ويفرض على البشرية اتجاهه، ويُملي عليها إرادته، لأنه صاحب الرسالة وصاحب العلم اليقين. ولأنَّه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه. فليس مقامه مقام التَّقليد والاتباع، إنَّ مقامه مقام الإمامة والقيادة، ومقام الإرشاد والتوجيه، ومقام الآمر الناهي. وإذا تنكر له الزمان، وعصاه المجتمع، وانحرف عن الجادة، لم يكن له أن يستسلم ويخضع ويَضَع أوزاره ويُسالم الدهر، بل عليه أن يثور
9