مساهمة علماء ليبيا في مسيرة الفقه الإباضي لجمعة الزريقي
الجزء ١ · صفحة ٤هذا الذي دعاني إلى إلقاء هذه المحاضرة في محاولة مني لكسر الجمود الذي يصاحب انغلاق كل فريق عن الآخر، إذ كيف يتأتى لنا غض الطرف عن مدرسة فقهية إسلامية يعتنقها جزء مهم من سكان ليبيا، ولها مؤلفات ومشاركات واجتهادات فقهية لا تقتصر على بلادنا بل امتدت إلى المشرق والمغرب، وإذا كانت الدراسات الحديثة في الأكاديمات العلمية تضع هذه المدرسة في أولويات البحوث والمؤلفات الجديدة، وخاصة التي تحاول التقريب بين المذاهب، فكيف لنا ونحن أقرب من غيرنا لهذه المدرسة أن نتجاهلها رغم شهرتها، ونغض الطرف عما تميز به علماء الإباضية الليبيين من آراء واجتهادات ومؤلفات ساهمت في تطور الفقه الإسلامي، بل وجدنا عدة مستشرقين اعتنوا بهذه المدرسة ورجالها وعقيدتها، وصنفوا في ذلك عدة كتب، لقد آن الآوان أن نميط اللثام عن هذا الجمود ونحاول كسره بالانفتاح على هذه المدرسة ونحث الجامعات والمعاهد الليبية على القيام بالدراسات والبحوث في كل تراثها وعلمائها واجتهاداتهم الفقهية، وفي كل العلوم التي كتبوا فيها وتحقيق تراثهم والعمل على نشره ليطلع عليه الكافة فتتاح لهم فرصة معرفته والاستفادة منه، مثلما هو واقع في مؤلفات المدارس الأخرى.
أولا: فكرة عن المذهب الإباضي
يكاد يجمع علماء الإباضية على أن نشأة المذهب تعود إلى الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني أبو الشعثاء (ت 93 هـ) قال عنه أبو نعيم: هو من قدماء التابعين، كان للعلم عينا معينا، وفي العبادة ركنا مكينا، وكان إلى الحق آيبا، ومن الخلق هاربا، وروى عن ابن عباس قوله: لو نزل أهل البصرة عند قول جابر بن زيد لوسعهم علما عما في كتاب الله عز وجل (2) إلا أن المذهب نسب إلى عبد الله بن إباض المري التميمي، كان من أتباع جابر بن زيد، ولم يكن مستقلا فيما يصدر عنه من أقوال وأفعال إلا بأمر جابر وإرشاده (ت 86 هـ) (3).