العلاقات السياسية والثقافية بين المشرق والمغرب في عهد الدولة الرستمية
الجزء ١ · صفحة ٥٨الفصل الثالث: سيروا الى الحلقة وأقصدوها حيثما كانت يا كسالى، فإن رجلا سار من جبل نفوسة الى فزان وإلى غدامس. وإلى الساحل رغبة في الحلقة وفيما يستفيده ويلوح لنا أن الإباضية كانوا نشطين جدا في حلقاتهم، التي نرى أنها كثيرة حق تعني بالمقصود في نشر المذهب، وإظهار قوته بكثرة علمائه الذين يتخرجون من تلك الحلقات، يقول ابن الصغير فى هذا " وكانت مساجدهم عامرة وجامعهم يجتمعون فيه"2
العلاقات الثقافية بين الخلافة العباسية والدولة الرستمية
وفي هذا اشتهر جبل نفوسة بكثرة المساجد بل وإن أول موضع أذن فيه المؤذنون بهذا الجبل فقد كان لا يقتصر تعلم الطلبة على مسجد واحد فقط بل كانوا يتحركون على إثر شيخهم أو أستاذهم في المساجد المنتشرة وكان يلتحق بالمساجد في الدولة الرستمية طلاب من خارج المدينة، لذلك تلحق بالمساجد بعض الزوايا بها غرف معدة بالأثاث والفرش اللازمة ويقوم أهل الثراء بتنافس على من ينفق عليها من أكل وعقارات ومن توابع ضرورية 4. وكانوا يتعلمون في المساجد أسلوب المناظرة وكان يتم ذلك في حلق تكون داخل المسجد يشرف عليها الشيوخ وكان المعلمون في تلك المدارس مثال التقوى والورع والإخلاص والصفاء.
وكان في المملكة مذاهب غير الإباضية، منها الصخرية والواصلية وغيرها وكان لهذه الطوائف مساجدها وعلماؤها ويجتمعون للمناظرة والمباحثة في دائرة الأدب وقانون العلم بناية الحرية وقال ابن الصغير " ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه وناظروه ألطف مناظرة. وكذلك من أتى من الإباضية الى حلق غيرهم كان سبيله "ذلك 7 وبهذا تعتبر المناظرات طريق تبادل مختلف العلوم والتبادل الفكري والتسامح المذهبي.
ولعل أشهر وأهم المناظرات التي احتضنتها تيهرت تلك التي دارت بين الإباضية والمعتزلة. إذ تذكر المصادر والمراجع أن علماء الفرقتين كانوا يلتحقون بوادي حنين في حلقات المناظرة تدور حول مواضيع فقهية بالأساس الى جانب علوم آخرى. ولا شك أن هذه المناظرات كان لها محاسن وأثار إيجابية من حيث أنها أسهمت في ظهور مؤلفات أظهرت جهود العلماء والفقهاء في حركة التأليف اعتبرت ذخيرة علمية وأدبية للمؤسسات العلمية في هذا العصر 8.
•
1 بحاز إبراهيم: المرجع السابق، ص 281.
2 ابن الصغير المصدر السابق، ص 57.
:
3 عوض شرقاوي: التاريخ السياسي والحضاري بجبل نفوسة (ق 2 - 3 هـ)، مؤسسة توالت، 2011، ص 45.
4 شوقي ضيف: المرجع السابق، ص 79.
5
صديق بن حليمة: المرجع السابق، ص 493.
6
محمد الميلي: المرجع السابق، ص 79. 7 ابن الصغير: المصدر نفسه، ص 102.
8
فطيمة مطهري مدينة تيهرت الرستمية المرجع السابق، ص 297.
51