مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ١٤٧(وذهب آخرون إلى عدم التوسعة في تأخير التأدية، فأوجبوا عليه
العلم والفعل حال وجود سبب ذلك الوجوب، وإمكان إتيان الواجب وإليه ذهب الامام ابن بركة حيث قال في الحج والواجب على القادر على أداء الحج وفعله لا يؤخره، لأن تأخيره مع الامكان يوجب مخالفة الأمر به. وقال الله تبارك وتعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم (1)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجوا قبل أن لا تحجوا (2)). فهذا يدل على أن على المرء أن يأتي بالحج في أول وقت الامكان له لأن ما أمر بفعله ولم يخص بوقت فيكون المرء فيه مخيراً بين أن يوقعه في أوله أو في وسطه أو في آخره، وكان الأمر يؤيد تعجيله وقد از يحت العلل من المأمور به وكان بتأخيره الفعل عاصياً انتهى.
و حاصله أنه استدل على وجوب التعجيل بثلاثة أدلة اثنان نقليان والثالث عقلي (فأما النقليان فأحدهما: (قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). وحاصل استدلاله أن الأمر وإن أطلق عن القيد فالمسارعة في فعل المطلوب مطلوبة بدلالة هذه الآية، (قلنا:) طلب المسارعة لا يوجب تضييق الواسع مع احتمال أن يكون الأمر في الآية بالمسارعة لغفران الذنوب، فيحمل على وجوب التوبة وإن كان خلاف الظاهر فحمله على الأول أولى وجوابه مامر. (والثاني:) قوله: حجوا قبل أن لا تحجوا وحاصل استدلاله به أن الأمر للوجوب حقيقة وهنا مقتض للمسارعة في الأداء فهي واجبة. (قلنا:) صرفه عن حقيقته قوله: قبل أن لا تحجوا فإنها قرينة قاضية أن الأمر بالتعجيل إنما هو للاشفاق، وخوف المنع من إدراك المأمول.
(1) سورة آل عمران [الآية 133]. وتتمة الآية وجنة عرضها السموات والأرض اعدت
للمتقين).
(2) رواه عبد الرزاق وأبو نعيم / عن أبي هريرة مرفوعاً.
ورواه ابن أبي شيبة / عن ابن عمر مرفوعاً.
147