مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

(وأما) دليله العقلي فهو أن للعبد في الفعل الموقت التخيير إن شاء أتى به في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره ومالا وقت له فلاتخيير له في تأخيره، إذ لا عذر له عند سلامة الآلات ووجود الأسباب الموصلة إلى ذلك، وحاصل استدلاله به أن كل شيء أمر بفعله ولم يوقت وقد قدر عليه فوجوبه حال القدرة ويعصي بالتأخير. (قلنا:) لانسلم ذلك لأن الأمر إذا أمر بشيء ولم يوقت فعله كان مفوضاً للفاعل فعله ماشاء أن

متى

تلك

يفعله. (لايقال:) ان السيد إذا أمر عبده أن يحضر له شراباً ولم يقيده بوقت فأتى له بالشراب بعد يومين يعد ذلك العبد عاصياً. (لأنا نقول:) إن قرينة الحالة قيدت الأمر عن الاطلاق، وفي العادة أن لا يطلب السيد الشراب إلا وهو محتاج إليه في حاله ولاقرينة فيما نحن فيه ثم أن ذلك الامام ناقش نفسه بتأخيره صلى الله عليه وسلم فعل الحج، وأجاب عن تلك المناقشة بما حاصله أن النبي لم يفرض عليه الحج إلا في السنة التي حج فيها وعلى تسليمه فلايوجب تضييق التأخير واستدل بعض الأفاضل على ثبوت هذا المذهب بعصيان إبليس وطرده حين لم يتمثل الأمر على الفور، وكان أمراً مطلقاً عن القيد كما في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم (1)) ووجه استدلاله بذلك أنه لو كان الأمر المطلق عن القيد لايوجب فوراً لكان لإبليس في تأخير السجود عذر. (قلنا: (ان عصيان إبليس وطرده إنما هو باظهار الاستكبار كما أشار إليه تعالى بقوله: مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه (2)). الآية ومما يدلك على هذا أن الطرد لم يقع

(1) سورة البقرة [الآية 34]. وتتمة الآية: فسجدوا إلا ابليس أبى واستكبر وكان من

الكافرين). (2) سورة ص [الآيات 7675]. والآيتين بتمامهما قال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته

من طين).

148