مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ١٧٥وتبليغ الحجة كما يرشد إليه قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) (1) فإذا ظهر لك أن ذلك هو وجه التشبيه بينهما عرفت قيام الحجة
يقول العلماء.
من
العلم يلزم العمل بما علم
سمعه
(وَكُلُّ شيءٍ وَاسِعٌ جَهْلُكَ بِه ثُمَّ رَأَيْتَ حَقَّهُ ضَاقَ انْتَبِه) (قوله: وكل شيء الخ) اعلم أن كل شيء وسعك جهله ثم علمته بوجه من الوجوه وطريق من طرق العلم باكتساب أو غيره، كالهام ونحوه، ضاق عليك جهله لأنه لا يصح لأحد أن يرجع من العلم إلى الجهل، ومن اليقين إلى الشك، ولو راه مثلاً في نوم فعلم حقه أو لسان طائر، أو رآه منقوشاً في حائط، فنظر فيه وعلم حقه لزمه علمه ولو كان قبل واسعاً له جهله به كذا قال الامام وفيه التعويل على الإلهام وهو إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر يخص به الله تعالى بعض اصفيائه إذا وافق القوانين الشرعية، وإنما قلنا ذلك أخذاً من كلام الامام حيث قال وعرف حقه أي حق ذلك الخاطر وهو مذهب لبعضهم، وذهب بعض الصوفية إلى أنه حجة ولم يشترط فيه ذلك الشرط، وذهب الجمهور من الأشاعرة وغيرهم إلى أنه ليس بحجة في غير المعصوم لأنه لا يأمن من وسوسة الشيطان والصحيح ماعليه الامام أنه إن وافق القوانين الشرعية كان حجة وإلا فلا وإن قال البناني فيه نظر.
(ووجه) النظر الذي أشار إليه هو أنه إن وافق القوانين كانت القوانين الحجة لا الإلهام وإن خالفها فليس بشيء لأنا نسلم أن الحجة هي القوانين، لكن الإلهام طريق لمعرفتها فصح لنا اعتباره لذلك. واعلم أن
هي
(1) سورة الرعد [الآية 7]. والآية بتمامها ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد.
175