مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٢٤١تكن أنت في ذاتك متصفاً بما أنت عليه من غاية الإحكام والإتقان، ودقائق المحاسن التي لا تنحصر وهذا الدليل مثبت له تعالى العلم بكل كلي وجزئي كائن ماكان ممكن أو واجب فهو أعم من القدرة من وجه لأنها تختص بالممكنات دون الواجبات وإنما قلنا بأنه عالم بكل شيء لأن الموجب للعلم ذاته والمقتضي للمعلومية ذوات المعلومات ومفهوماتها، ونسبة الذوات إلى الكل سواء فإذا كان عالماً ببعضها كان
عالماً بكلها وخالف في هذا الأصل فرق.
(الأولى: (من قال من الدهرية (1) أن الله لا يعلم نفسه لأن العلم نسبة، والنسبة لا تكون إلا بين اثنين متغايرين هما طرفاها بالضرورة، ونسبة الشيء إلى نفسه محال إذ لا تغاير هناك والجواب منع كون الشيء لا ينسب الى نفسه نسبة علمية فإن التغاير الاعتباري كاف لنحو هذه النسبة، وكيف لا يكون كذلك واحدنا يعلم نفسه مع عدم التغاير بالذات. (فإن قلت: من أين ثبت ذلك التغاير الاعتباري المصحح للنسبة. قلت:) من حيث أن ذات الشيء باعتبار صلوحيتها للعالمية في الجملة، وبعد القدر من التغاير يكفينا بينات و علوم اداري /
(الثانية:) من قال من قدماء الفلاسفة أنه لا يعلم شيئاً أصلاً والا علم نفسه وهو باطل كما تبين في دليل الفرقة الأولى. (والجواب:) مامر في ابطال دليل كونه غير عالم بنفسه.
(الثالثة: (من قال أنه تعالى لا يعلم غيره مع كونه عالماً بذاته، وذلك لأن العلم بالشيء غير العلم بغيره وإلا فمن علم شيئاً علم جميع
الأشياء،
(1) الدهرية: هم الذين زعموا أن العالم وجد بدون الله عز وجل - تعالى الله عن ذلك - قال تعالى: (وقالوا ماهي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ومايهلكنا إلا الدهر) سورة الجائية [الآية 24]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: يؤذيني ابن ادم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره وفي رواية أخرى: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر».
241