مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢(وأما) ثانياً فلان سياق الآية دال على انتظار رحمة الله تعالى بدليل أنه عطف عليها قوله: ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) (1) فلو فسر النظر في الآية بالرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين ولتداعى بناؤها واختل نظمها إذ لا مناسبة بين عيون رائية ربها ووجوه باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة، ولذا عيب على الشعراء مثل ذلك فمما عيب على امرء القيس (2) قوله: كأني لم أركب جواداً للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال ولم اسبأ الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد اجفال حيث عطف قوله ولم أتبطن على قوله كأني لم أركب جواداً، وحيث عطف قوله ولم أقل لخيلي على اسباء الزق، وجعلوا المناسبة فيه أن يعطف قوله ولم أقل لخيلي على كأني لم أركب، وقوله ولم أتبطن على قوله ولم اسبأ الزق فيكون تركيبه هكذا: كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلي كري مرة بعد اجفال ولم اسبأ الزق الروي للذة ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال (وأما) ثالثاً فلأن الآية قيدت تلك النظرة في يوم القيامة لقوله يومئذ وهؤلاء الأشعرية قد أثبتوا الرؤية في الجنة، واختلفوا في ثبوتها في الموقف فعلى تسليم أن معنى الآية ماقالوه فلا دليل في الآية على ثبوت الرؤية في الجنة. (وأما) رابعاً ففي الآية التصريح بأن الوجوه هي الناظرة، وهؤلاء
(1) سورة القيامة [الآيات 24 - 25]. (2) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار، أشهر شعراء العرب، يماني الأصل، ولد بنجد سنة 130 هـ. كان أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت الشاعر المهلهل. ولقنه المهلهل الشعر، فقاله وهو غلام بلغه أن أباه قد قتل وهو جالس للشراب فقال: رحم الله أبي ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً، لاصحو اليوم ولاسكر غداً اليوم خمر وغداً أمر ونهض من غده فلم يزل حتى ثأر لأبيه اسد مات بأنقرة سنة 80 ق هـ. من بني
•
252