مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥والمجسمة، ومنهم من التجيء إلى مضيق آخر فقال: إن الله تعالى يخلق لرؤيته حاسة سادسة في المؤمنين يرونه بها. وهذا القول مروي عن أبي حنيفة، وذهب آخرون إلى أن الرؤية بجميع أجزاء البدن، ونقل هذا عن أبي يزيد البسطامي. وذهب آخرون إلى أنها بجميع الوجه بظاهر وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وبالله العجب من هذه التقولات الناشئة عن غير شبهة ألا هل من دليل على أن الله يخلق للانسان حاسة سادسة في الآخرة، وهل من دليل على أن أجزاء البدن صالحة لإدراك الرؤية أو الوجه كله صالح لذلك أيضاً. (قالوا:) الآخرة محل خرق العادات والقدرة واسعة. (قلنا:) سلمنا ذلك فهلم دليلاً على أن هذا المذكور أحد تلك الخوارق مع أنا لا نسلم أن ادراك جميع أجزاء البدن ما يدركه البصر من العادة التي يجوز العقل خرقها، فإن إدراك البدن للمرئي من المستحيل عقلاً، اللهم إلا أن يقال أن البدن يحول كله بصراً فيكون حينئذ الادراك بالبصر لا بالبدن، لأن البدن قد تحول إلى خلق آخر. وكذا القول في الوجه فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) (قوله: لأن من لازمها (التميزا أي التبين للناظر، أي من لوازم الرؤية تبين المرئي للرائي و تشخصه والله تعالى يستحيل عليه هذا اللازم وباستحالة اللازم يستحيل الملزوم (قوله والكيف) أي ومن لوازم الرؤية الكيف وهو هنا بمعنى الكيفية اللغوية التي هي عبارة عن حال الشيء وصفاته، لأنها هي بهذا المقام، لأن من رأى الشيء عرف حاله وصفاته المرئيتين. (قوله: والتبعيض مصدر بعضته إذا جعلته أبعاضاً أي ومن لوازم الرؤية تبعيض المرئي، لأن شعاع الباصرة إما أن يقع على جميع أجزاء المرئي فيصح تبعيضه ضرورة لأن ما احيط به متبعض لا محالة وإما أن يقع على جزء منه وذلك الجزء المرئي هو بعضه فصح تبعضه حينئذ بالفعل. (قوله: والتحيز) في جهة مصدر تحيز بالفتح إذا اتخذ الحيز لنفسه والحيز عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله شيء ممتد كالجسم أو غير ممتد كالجوهر الفرد وعند الحكماء هو السطح الباطن من الحاوي
اللائقة
265