مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧المقصد الثاني:) في الأدلة النقلية
ونقتصر منها على آيتين أحداهما قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) والأخرى قوله تعالى ولن تراني (1)) (قوله: وما اتى به السور) أي والذي أتى به السور جمع سورة وهي طائفة مخصوصة من القرآن كافية للتحدي بها في الاعجاز مشتملة على ثلاث آيات فصاعداً (قوله: من قول لا تدركه الأبصار أي من مقول ذلك فالقول بمعنى المقول على سبيل المجاز الارسالي لعلاقة التعلق (اعلم أن هذه الآية صريح في نفي الرؤية عنه تعالى لوجهين.
(أحدهما:) انه نفى ادراك الأبصار له تعالى مطلقاً فهي نقي لادراك كل بصر له تعالى. (وثانيهما:) انه تعالى ذكر هذه الآية ممتدحاً بها كما تمدح بنفي الولد و بنفي السنة والنوم واعترض على الأول بأن الادراك هو الرؤية المقيدة بالاحاطة بالمرئي من جميع جوانبه وجهاته وهو أحض من الرؤية المطلقة ونفي الأخص لا يقتضي نفي الأعم (قلنا) لا نسلم أن الادراك هو الرؤية المقيدة بالاحاطة لأنه حقيقة في الوصول إلى الشيء وتقييده بالاحاطة مجاز لا يصح إلا بقرينة ولا قرينة بل القرائن دالة على نفي مطلق الادراك. (واعترض عليه أيضاً أن الآية لسلب العموم لا لعموم السلب
(2)
(1) سورة الأعراف [الآية 143]. والآية بتمامها ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جمله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). (2) حصر الادراك في الاحاطة خروج الاحاطة خروج عما تقتضيه اوضاع اللغة العربية فان ادراك كل شيء - عند العرب - بحسب حالة ذلك الشيء فإدراك العين رؤيتها وادراك اليد مسيسها وادراك الاذن سماعها. وهكذا ولا يقيد شيء من ذلك بالاحاطة ففي اللسان
267