مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٨أي أن النفي غير عام لجميع الابصار فيحتمل أن يراه بعضها فيكون المعنى هكذا لا تدركه كل الابصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين. (قلنا:) لا نسلم أنها لسلب العموم لأنها وردت مدحاً له تعالى وادراك
الدرك اللحاق وقد أدركه ورجل دراك مدرك كثير الادراك ونحو هذا في القاموس وشرحه وفي اللسان ايضا والادراك اللحوق يقال مشيت حتى ادركته وعشت حتى أدركت زمانه وأدركته ببصري أي رأيته. اهـ. وهو نص في تفسير ادراك البصر بالرؤية ويؤيده أمور: ا أن العرب تقول أدركت زمانه مع عدم الاحاطة بزمانه كما نص عليه صاحب اللسان ولربما قال أحدهم ادركت حياة فلان وهو لم يولد الا في الزمن الاخير من
حياته.
أن العرب تسمى المطر المتوالي بالمتدارك مع العلم أنه ليس المقصود منه أن كل ديمة منه تحيط بغيرها وانما المقصود تلاحق الديم. عدم مخالفة أحد في صواب قول من قال أدركه السهم ومن المعلوم أنه ليس
المراد منه احاطة السهم به ولو قال قاتل أحاط به السهم لعد من هذيان الكلام. مجئ الالفاظ المشتقة من الادراك دالة على غير معنى الاحاطة كما في قوله تعالى حتى اذا أداركوا فيها اذ ليس من المعقول أن يكون المراد من الآية احاطة كل فوج من أهل النار بالآخر مع أن التفاعل يقتضي التشارك من الجانبين أو الجوانب وانما المراد من الآية تلاحق الافوج في النار والعياذ بالله. ه احتجاج أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها بقوله تعالى لاتدركه الابصار على عدم رؤية النبي ربه فقد اخرج الامام الربيع في مسنده والشيخان في صحيحهما عن مسروق قال كنت متكنا عند عائشة فقالت يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت ما الفرية قال وكنت متكنا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني ألم يقل الله عز وجل (ولقد رأه بالافق المبين ولقد راه نزلة فقالت أنا أول هذه الامة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه مابين السماء الى الارض فقالت أولم تسمع أن الله يقول لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) الخ ماجاء في الرواية فكيف تحتج عائشة رضى الله عنها بنفي الادراك على نفي الرؤية لو كان ثم فارق بينهما مع أنها رضى الله عنها عربية المحتد واللسان وقد تربت في حضن النبوة وارتوت من معين الوحي واذا كانت أقوال أهل الجاهلية دليلا على مقاصد التنزيل فالثابت من كلام الصحابة رضى الله عنهم أولى بذلك ولاسيما من كان كعائشة رضى الله عنها لخصائصها المعروفة سماحة المفتي).
268