مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

اللغات وبه

وليس يصح في الاذهان شيء اذا احتاج النهار الى دليل فإن المجاز ليس مقصورا على لغة من اللغات وانما هو من محاسن جميع يستطيع المتحدث بها أن يجاري اساطينها في مضمار البلاغة وانكاره في كلام الله وكلام رسوله دعوى لم يقم عليها دليل ويترتب عليها اخراج القرآن والحديث عن اسلوب الكلام العربي المبين وسلبهما بلاغة اللسان العربي وأقوى دليل وأوضح حجة وقوع المجاز في الكتاب العزيز والحديث الشريف فكم مخبر في كلام الله سبحانه الامر بالتقوى بلفظ اتقوا الله ونحوه ومن المعلوم أن كلمة اتقى - في اصل وضعها بمعنى تجنب لان اتقي على وزن افتعل مطاوع لوقاء يقيه بمعنى جنبه وليس من المعقول أن يكون المراد من الأمر بتقوى الله تجنب ذاته تعالى وانما المراد تجنب سخطه بفعل أوامره وترك نواهيه ومن المجاز في القرآن قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا والا فأين الحبل الذي أمرنا بالاعتصام به فإن قيل هو دين الله فالدين لم تعهد سميته حبلا ومنها قوله سبحانه وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) فإن الخيط معروف ولكن المقصود في الآية من الخيط الابيض ضياء النهار ومن الخيط الاسود ظلام الليل كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم رضى الله عنه ولو كان هذا الاستعمال حقيقة لما اشتبه الأمر على عدي ومنها قوله عز من قائل في وصف كتابه العزيز (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وليس للقرآن يدان محسوستان ولاخلف حقيقي ومنه قوله سبحانه أولئك كتب في قلوبهم الايمان ومن المعروف بالبديهة انه ليس المراد منه انه أخذ القلم وخط في قلوبهم الايمان كما يخط الكتاب في الصحيفة ومنه قوله عز وجل فامشوا في مناكبها مع أن الارض لامناكب لها وهو في القرآن أكثر من أن يمكننا استيفاؤه. هذا واذا ألقينا نظرة الى الآيات المتشابهة التي يتعلق بظواهرها المشبهة رأينا ترك تأويلها يفضي الى تناقض فظيع في آيات الذكر الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وكذلك الاحاديث النبوية فماذا عسى أن يقال - مع عدم التأويل في قوله تعالى كل شيء هالك الا وجهه هل يقال بهلاك الذات العلية وبقاء الوجه لان الذات لم تستثن وانما استثنى الوجه وان حمل المتحذلقين أن ذكر الوجه في الآية دليل على أن الذات العلية لها وجه وان حمل الوجه في الآية على معنى لامتناع اطلاق أي اسم على شيء - مجازا - الا اذا كان فيه أصل معنى ذلك الاسم نهي دعوى لم يقم عليها دليل بل الواقع يردها فالله تعالى يقول في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهل أصل اليد موجود في القرآن ويقول سبحانه

الذات

في الارض فامشوا في مناكبها مع أن الارض لامناكب لها ويقول الشاعر: في يدك اليف الذي امتنعت به قناة الهدى من أن ترق فتخرقا

274