مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٢٨٠

•

استدلال

تشبيه الله تعالى بخلقه، وقد عرفت بطلانه مما تقدم ولا يتم المشبهة بهذه الآيات على مطلوبهم، لأنهم يزعمون أن الله يدين وفي مما عملت أيدينا صيغة الجمع فإن حملوها لمعنى ظاهرها لزم أن له أيدياً من الثلاث فصاعداً، وإن تأولوا الجمع بالتثنية حملاً على الآية الأخرى لزمهم صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، لأن إطلاق لفظ الجمع على الاثنين مجاز لغة فوقعوا فيما فروا عنه من العدول عن الحقيقة إلى المجاز مع ما ارتكبوه من فحش التشبيه (قوله: أو قل نعم جمع نعمة أي أو أول اليد في حقه تعالى بالنعمة في مواضع لا يصلح فيها إلا ذلك كما في قوله تعالى: بل يداه مبسوطتان (1)) فإنه يتعين تأويل اليدين بالنعمتين الظاهرة والباطنة أو العاجلة والآجلة لأن القدرة غير متعددة فلا تثنى وإنما قلنا أن القدرة غير متعددة لأن صفات الذات هي عين الذات لا شيء آخر، فيتعدد تارة ولا يتعدد أخرى لا يقال: أنه لا يلزم من تثنية اليد تعدد القدرة فإنها وردت بمعنى القدرة وهي مثناة ومجموعة الأنا نقول: أن تثنيتها وجمعها في تلك المواضع لبيان كمال القدرة لا لتعددها، وهنا لبيان تعدد النعم بدليل السياق، وأيضاً فقوله يرزق كيف يشاء دليل يمنع تأويل اليدين بالقدرة، ويصرف معناها إلى النعم (قوله: وقبضة الخ) يشير إلى القبضة من قوله تعالى والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة (2)) وفسرها هي والاستواء بالملك أي والأرض ملكه يوم القيامة وإنما فسرها بذلك لتعذر المعنى الحقيقي عليه تعالى (لا) يقال: (ان الأرض في ملك الله تعالى يوم القيامة وفي أيام الدنيا، وتفسيركم القبض بالملك يستلزم أن يكون الله غير مالك لها قبل ذلك اليوم (الأنا) نقول: (لا نسلم ذلك الاستلزام فإن تخصيص ذكره بملك يوم القيامة مع أنه مالك لما قبلها يفيد بيان عظمته وجلال، سلطانه حيث لا مالك سواه ولا مدع لذلك ومنه قوله تعالى:

(1) سورة المائدة [الآية 64]. (2) سورة آل عمران [الآية 37].

•

280