مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٠وتعالى وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه واشراق أنوار معرفته عليه، واطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته على مالم يطلع سواه عليه والدنو من الله سبحانه له اظهار ذلك له وعظيم بره وفضله العظيم لديه). فيكون قوله تعالى: قاب قوسين أو أدنى (1)) على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والاشراف على الحقيقة من نبينا عليه الصلاة والسلام الله، إجابة الرغبة وإبانة المنزلة ويتأول في ذلك مايتأول في قوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: من تقرب مني شبراً تقربت ذراعاً الحديث. هذا آخر كلام القاضي انتهى وبهذا القدر كفاية فإن كلا التوجهين حق لاغيم عليه والدليل على هذا التأويل ماسيأتي من البرهان العقلي على استحالة مشابهته تعالى لخلقه.
ومن
فانتعشت عُقُولُهم بالذكرِ وَبَسَقَتْ أسرارُهُمْ بالفكر) (وقوله: فانتعشت عقولهم الخ الانتعاش عرفاً هو قوة يجدها الجسم عند ملاقاته مايسره وفي اللغة انتعش العاثر إذا انتهض وفي الموضعين فهي قوة خاصة واطلقها المصنف هنا فهي مجاز مرسل حيث عبر عن القوة المطلقة بالقوة الخاصة وفي إسناده إلى العقول مجاز عقلي، أو استعارة بالكناية. حيث شبه العقول بجسم ينتعش وحذف المشبه به وذكر من لوازمه ما يخيل إليه وهو الانتعاش والعقول جمع عقل وهو جوهر بسيط لا يقبل التغيير وقيل علوم ضرورية، وقيل بعض العلوم الضرورية وفيه أقوال قال عبد العزيز في شرح النونية: تزهو على ألف قول، وهي كثيرة العنا قليلة الغنى واختلف في محله، فذهب بعضهم إلى أن محله الدماغ وآخرون إلى محله القلب والقلب هو لحمة صنوبرية في الشكل الأيسر من الصدر جعل أي العقل للإنسان ليميز به بين الأشياء الظاهرة والخفية وركب عليه التكليف قيل وسمي بذلك لعقله
(1) سورة النجم [الآية 9].