مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣١١دعوى القوة، حيث استعجلوه بانزال العذاب الذي توعدوا به، وذلك أن الملائكة أقدر على زلزلة الأرض وقلبها، مع أن ظاهر الآية يقتضي تفضيلهم أيضاً على محمد، والخصم لا يقول بذلك فينتقض بذلك استدلاله (ومنها: (قوله تعالى حكاية عن ابليس: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين (1)) (قلنا) انها رأيا الملائكة أعظم خلقة وأقوى فعالاً فخيل لهم أن ذلك هو الكمال. (ومنها) ولن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله ولا الملائكة المقربون) (2). (قلنا:) هو رد على النصارى، حيث زعموا ألوهية عيسى من حيث أنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمة، والابرص وأنه لا أب، له والملائكة أقدر على ذلك من عيسى بتقوية الله لهم، ولا أب لهم ولا أم فلم يكن ذلك موجباً لاستنكافهم عن العبودية. (ومنها:) ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم (3)) (قلنا) هو حكاية عن نسوة غير متفقهات وأيضاً فهو تفضيل في الحسن لا في الخصال، وذلك أنه تخيل لهن أن الملك أحسن صورة من جميع خلق الله فقلن ذلك (ومنها: (أنهم رسل الله إلى أنبيائه والرسول أفضل من المرسل إليه (قلنا:) هذا يقتضي أن الملك اذا أرسل أحداً من عوام الناس إلى ملك آخر أن يكون ذلك العامي أفضل من الملك المرسل هو إليه، وأيضاً فهذا يستلزم تفضيلهم على نبينا والخصم لا يقول بذلك.
(واختلف) القائلون بتفضيل الأنبياء على الملائكة هل الملائكة أفضل من سائر المؤمنين أم المؤمنون أفضل منهم احتج من قال بأفضلية الملائكة بقوله تعالى: (بل هم عباد مكرمون (4)) وفيه أن وصفهم بالاكرام لا يقتضي نفيه عن غيرهم. ويقوله تعالى: (لا يعصون الله ما
(1) سورة الأعراف [الآية 20]. (2) سورة النساء [الآية 172]. (3) سورة يوسف [الآية 31]. (4) سورة الأنبياء [الآية 26].
311